اليمن المغناطيسيَّة
في سنة من سني دراستي الابتدائيَّة، وخلال درس من دروس الجغرافيا كانت المعلمة تحاول – عبثـًا – أن تساعد طالبة في نطق اسم (جمهوريَّة اليمن الديمقراطية الشعبيَّة) – كانت اليمن ذلك الوقت يمنين: شمالية وجنوبيَّة – ولم تفلح المعلمة في انتزاع كلمة (الديمقراطيَّة) من فمِّ الطالبة؛ فقد ظلَّت تنطقها (المغناطيسيَّة) رغم كلِّ شيء..!
وللحقِّ فقد كانت كلمة (ديمقراطيَّة) – في ذلك الوقت – كلمة جديدة كليًّا، وفي الغالب الأعمِّ أننا كنا ننطقها دون أن نفهم معناها، مثلما ننطق الكثير من المفردات التي أصبحت طاغية اليوم، ويجهل الكثير منا معناها لكنها تبدو مغرية بشكلٍ لا يمكن إنكاره، فهل سننكر أنَّ كلماتٍ مثل: (حوار، الرأي والرأي الآخر، شفافيَّة، وقبلها النظام العالمي الجديد، وعولمة، وشراكة مجتمعيَّة، ومؤسسات مجتمع مدني) وبقدر متقدِّم: (براجماتيَّة، دوغمائيَّة، راديكاليَّة، إمبرياليَّة، ليبراليَّة..!) لا تجعلنا نبدو مثقفين، ومطَّلعين..؟ حتى وإن لم نكن كذلك فعلاً..!
ربما تكون زميلتي تنطق كلمة (ديمقراطيَّة) الآن دون عناء، صحيح أن مسمى الدولة ذاته لم يعد موجودًا، لكن المصطلح قد حلَّ بيننا منذ وقت طويل، وارتاح بين ظهرانينا، وتمدَّد، وتفسَّح، وصرنا نسمع الصغار يجادلون آباءهم وأستاذتهم حول حقوقهم بداعي هذه الـ(ديمقراطيَّة)..!
كنت أجلس أمام التلفاز – حين خطرت لي تلك الحادثة، وهبطت عليَّ من ماضٍ بعيد – وكانت مذيعة أو مذيع الأخبار – لا أذكر على وجه التحديد – يعدِّد مشاكل اليمن التي لا حصر لها: الحوثيين، القاعدة ، التدخل الأجنبي المحتمل للقضاء على هذه (القاعدة)، محاولات الانفصال، الاقتصاد المنهار، دويلات القبائل....!
بتُّ أحدِّث نفسي ليلتها: "أيُّ مغناطيس يجذب المشاكل هي هذه اليمن (الجميلة)..!"
ما يكفي!!
في مشهدٍ من مشاهد المسلسل الأمريكي October road يدخل الطبيب الشاب على مريضه المتقدِّم في السن، ينظر إليه بأسى ليخبره بأن نتيجة التحليل التي خضع لها تكشف عن إصابته بسرطان نقي العظم، ويخفِّف الطبيب الشاب عن مريضه بقوله: "إنَّ المرض – الذي لا شفاء منه – سيسمح له بالعيش لسنوات قليلة قادمة، وإنَّ هناك أدوية ستساعده على تجاوز الآلام خلال هذه السنوات، وأن الخضوع للجلسات الكيماوية – في هذا النوع من السرطان – لن يسبب تساقط الشعر بالقدر الذي تسببه معالجات كيماوية لأنواع سرطان أخرى!".
ينظر المريض إلى الطبيب الشاب ليسأله:"كم تبلغ من العمر حضرة الطبيب؟ ثلاثين سنة! " ثم يعقِّب: "ينبغي ألاَّ يسمحوا للشخص ببدء ممارسة الطب قبل أن يبلغ السبعين؛ الأشخاص أمثالك يجعلوننا نشعر بأننا لم ننجز ما يكفي في حياتنا".
كنت دومًا أسأل نفسي لم أنجذب أكثر للأعمال التمثيليَّة الأجنبيَّة – سينما أو تلفاز – وكنت دومًا أجد جوابًا واحدًا: ثمَّة ما يبقى في الذاكرة، ثمَّة فكرة حادة، ومحرِّضة تبقى مسيطرة لوقت لتمرِّر أسئلتها الخاصَّة من جدران الجمل، والعبارات، والمشاهد التي يبنيها الأبطال في ذاكرتي.
جملة المريض أعلاه هي إحدى هذه الجمل الحادَّة المحرِّضة تركتني وبين يديَّ سؤال واحد: كم مرَّة صادفنا، أو قرأنا عن أشخاصٍ جعلونا نشعر – دون قصدٍ منهم – أنـَّنا لم ننجز ما يكفي في حياتنا؟!
جملة المريض أعلاه هي إحدى هذه الجمل الحادَّة المحرِّضة تركتني وبين يديَّ سؤال واحد: كم مرَّة صادفنا، أو قرأنا عن أشخاصٍ جعلونا نشعر – دون قصدٍ منهم – أنـَّنا لم ننجز ما يكفي في حياتنا؟!
أفكر – مثلاً – وأنا أكتب الآن في أيقونة جوجول الملوَّنة المعلَّقة أمامي، وأنا أضغطها عشرات المرات في اليوم، وأبحث عن أيِّ شيء يخطر ببالي: (من اسم كتاب ثقافي وحتى وصفة طهي)، أفكر في هذا المحرِّك البحثي الهائل فأشعر بأنني لم أنجز ما يكفي في حياتي، لم أصنع شيئًا يجعل حياة الآخرين أسهل، أو ربما أجمل، أفكر في الأبطال العظام الذين كتبوا أسماءهم على المدائن المفتوحة، أفكِّر في كلِّ الذين غيَّروا التاريخ بعدهم حتى "لم تعد الدنيا بعدهم كما كانت"*، أفكِّر في المؤلِّفين الذي كتبوا أعظم الروائع وأشعر أنني لم أنجز ما يكفي، في كلِّ مرة أقرأ ديوان المتنبي أشعر بأنني لم أنجز ما يكفي، أفكر وأنا أصعد الدرج على رجليَّ السليمتين بسابين** وأشعر أنني لم أنجز ما يكفي، أضغط على مفتاح الكهرباء فيفيض الضوء من مصباح هزيل يهزم طبقات الظلام في الغرفة، فأحسُّ بأنني بعيدة جدًّا عن إنجاز ما يكفي، أفتح صنبور الماء فينهمر: باردًا، ساخنًا أو بينَ بينَ، فأجنُّ لأنني لم أنجز ما يكفي، ثمَّة أشياء كثيرة، أفكار صغيرة أو حتى هائلة قطفها أشخاص قبلي، وسيقطفها – حتمًا – آخرون بعدي، وسوف لن يبارحني هذا الشعور الذي أحسَّه الرجل العجوز وهو يتأمَّل الطبيب الشَّاب في ذلك المشهد من المسلسل الأمريكي الذي شاهدته ذات مساء..!
مَـمَـرٌّ :
( نجمةٌ تخيط نفسها قي رقعة السماء... حتى النجوم تبحث عن وطن... أو أيِّ شيء يشبه الوطن ).
لا يجرؤ العقل المفكِّر على استساغة رحيل الأيام المشهودة دون تملِّيها، واستفراغ مكنونها من الحكم، واستنطاق ما طوته من دروس وعبر، وإلا لما كان للتاريخ جعبة ملأى، ولا للرواة حكايات تحصدها ألسنتهم لتشبَّ من جديد: زرعٌ أُكله قاب قوسن من آذان الوعاة.
إنَّ التاريخ في حقيقته سلسلة من التتابعات والحوادث لا ينشأ منها حدثٌ من فراغ صرف بل إنَّ علائق الحوادث ببعضها هي مفسِّرات لما يلي من مراحل، وهي المنبئات عمَّا سيقدُم إذا استنهض العقل المفكِّر همَّته، وجاب_بعمقٍ_ظواهر الأمور وخفاياها.
إنَّ الاحتفاظ بذكرى رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز باعتبارها مصدرا للتأمل هي طريقنا نحو المستقبل فليس الأمر محض افتقاد وزوال كلٌّ منه دانٍ، فالموت مجرَّد حدث عابر تؤمِّن مساحة الإيمان الواسعة في أفئدة المؤمنين ظلالا تقي من عوارض الإغراق في النواح، وفقدان القدرة على الاحتمال والاستمرار، إنَّ الحدث الذي نتأمَّله اليوم ليس هو الموت بل دافع الحياة الذي يبثـُّه فينا الراحل حين يغيب مسلِّما إيَّانا وطنًا مكتملاً، وحياةً مقبلة، وإذنـًا بالرحيل نحو المستقبل.
لربما أدهشنا اندهاش الآخرين لما كان بالنسبة لنا مثلا وطريقة حياة في تعاملنا مع الموت، وقد نكون في أقصى مواطن دهشتنا حين ندرك أن الآخرين لا يعرفوننا بقدر كافٍ يمكِّنهم من فهم علل سلوكنا الفريد، أو الوصول إلى مفسِّرات مقنعة لما نعتبره حدثا اعتياديًّا، مفرطًا في بساطته وهدوءه، غارقًا في وداعة الطمأنينة والتسليم، فقط لأن الآخرين لا يستسلمون لتتابعات التاريخ التي تنتهي إلينا لتؤمِّن الحاضر: زاهرًا، وادعًا، متصالحًا مع الماضي على نحو فريد.
لكثرة ما تناول الإعلام ذلك بات واضحا أنَّ في الحدث ميِّزة استثنائيَّة، وصورة غير مألوفة والتحام غير نمطي، هناك كنهٌ جديد لحدث الموت في صورة الباعث والمحرِّض على اقتسام الفجيعة، واليقين بأنَّ حملها فوق أكفٍ متقابضة هو الطريق إلى جعلها فكرة للحياة لا للفناء، ومحرِّضا على التكوُّن لا التلاشي.
حين نعود للتاريخ ونقرأ التتابعات سيدهشنا صمود الوطن في صدمة رحيل الملك فيصل رحمه الله، فقد أُخذ على حين غرَّة، أُخذ وحيدا ولم يؤخذ الوطن آنذاك، كانت الحكمة في معالجة الصدمة تفوق الاضطراب الذي يمكن أن يودي بوطنٍ قائم يستشرف المستقبل، و إلا لمن يكون الفداء ؟! ولمن تُطرَّز التضحيات ؟! منذ ذاك بل قبله بكثير أيقن الجميع أنَّ الوطن أكبر من الموت والحياة.
وكان الوطن اليوم أكبر من الموت والحياة إذ لم يمضِ وقت طويل حتى أخذت الحياة مجراها بل إنها لم تتوقَّف: الناس يسلكون طرقهم اليوميَّة، ينجزون فروض حياتهم، الحزن الذي نمارسه حزن فريد وآسر، متجلِّل بالرضا ومختوم بتعاليم الدين الحنيف؛ لا يمكن أن نفرط في حزن لدرجة ننسى معه الحياة الطويلة القادمة، والعِظام الطريَّة، والعيون الناشئة التي ترقب المستقبل بأمل وخوف، ولا يمكن أن نفرط في الحزن على راحل نعلم يقينا أن حياته بطولها كانت منذورة لخدمة هذا الميراث الذي آل إلينا، وأنَّ شيئا لن يسعده بقدر مداومة الحفاظ عليه: وطنًا أشمَّ وهامةً عالية.
وليس الحفاظ على الميراث/الوطن أمرًا يسيرًا، إذ ليس العبء هو البقاء وحسب، أو صون الحدود، وتأمين الثغور، فهناك الحراك الدائم، والمشاركة في السباق، وخوض التنافس المحموم للاضطلاع بمهمة الريادة المُستحقَّة بعيدا عن التخرُّصات والأباطيل، وخذلا لأصحاب الأمنيات السوداء.
إنَّ عبء الأمانة ثقيل والاضطلاع به على نحو مرضٍ لا يستقيم إلا لذوي الحِجا والرجاحة، وإذا اجتمع مع ذلك دوام المشاركة في الأمر، وعدم الانفصال عن ساحة القرار كان الأمر أبعث للاطمئنان، لقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قلب القرار السياسي، وفي عين الحدث، وكان اتصاله بشؤون الوطن اتصالاً مباشرًا، فكانت حنكته هي المعوَّل عليها في نقل الوطن من حزنه إلى أطوار بنائه اللاحقة دون أن تخبو في عيون الناس أضواء العهد الراحل، ودون أن يفوتهم تدارس الحِكم المُستقاة من هذه الحقبة التاريخيَّة وأجلُّ هذه الحِكم: أنَّ الوطن القائم على أساس، الضارب بجذوره في عمق التاريخ لا تهزُّه الحوادث العابرة، وأنَّ خير الوطن ماثلٌ في السير على منهاج الراحلين لا البكاء والاعتراض على مشيئة الخالق.
لقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إبَّان ولايته للعهد الزاهر يؤمن إيمانًا مطلقًا بأنَّ الوطن هو الأساس، وأنَّ الشروع في بناء الفرد لا يتمُّ إلا على بنيان راسخ من الولاء، والإيمان المطلق بفرادة الوطن، وفرادة الرسالة التي يضطلع بإيصالها للعالم كافَّة، فلم نعجب ولم تتملَّكنا الغرابة حين كان الوطن_في أشدِّ الأيام صعوبة _ يتحمَّل أبناءه، يُضائل خطاياهم في عينيه لأنهما تنظران إلى ما وراء السلوك الفردي الجانح الطارئ، ولأن قدرة الوطن على الاحتضان مقدَّمة على الشروع في الانتقام، ولأن الخطوة القادمة تنصُّ على إعطاء الجميع قدرا متساويًا من الحرية لإثبات الذات.
ليست ( البيعة ) التي نحتفل بها هذه الأيام مجرَّد سلوك بروتوكولي، أو احتفال منمَّق، أو شعارات وخطب فارغة؛ بل إنَّ البيعة_في حقيقتها_واجب شرعي، قوامه الرغبة في اضطلاع من يُرى اقتداره بشؤون الأمَّة، واضطلاع الرعيَّة بالمقابل بمهام السمع والطاعة في إطار من التوازن، والفهم المشترك لحاجات الوطن، ومسئولياته.
لقد كان اليوم المفتوح للبيعة الذي أقامته كليَّة التربية للبنات بالرياض_الفرع الأدبي _ في يوم الأربعاء العاشر من شعبان مناسبة لاستذكار تاريخ هذا البلد، واسترجاع أمجاده استئناسًا بها في هذه المرحلة الفارقة، ولإدراك أنَّ ميراثا ثمينا من الأمن والرخاء والاستقرار والتقدُّم ومزاحمة العالم المتقدِّم لا يمكن أن يستمرَّ دون مزيد من الالتحام في وقتٍ يتربَّص فيه المتربِّصون، ويزداد فيه الحاقدون.
إنَّ إعلان البيعة في هذا الصرح التعليمي ما هو إلا تأكيد لحضور المرأة السعوديَّة: بانيةً، وصانعةً للمستقبل، وشريكةً في العطاء والعمل، ومواطنةً صالحة في رخاء الوطن وشدَّته، وهذا ما جسَّدته منسوبات الكليَّة وعلى رأسهنَّ عميدة الكليَّة الدكتورة ست الحسن الجهنـي في يوم البيعة المفتوح بإعلان الولاء، وتأكيد عهود الموَاطَنة الصالحة، العهود التي تتجدَّد في كلَّ يوم تضطلع فيه المرأة السعوديَّة بمهامها بإخلاص ووعي.
جريدة الرياض الاربعاء 24 شعبان 1426هـ _ 28 سبتمبر 2005م _ العدد 13610http://www.alriyadh.com/2005/09/28/article96950.html
معبر:
لا يبلغُ العاقلُ من خصمِهِ ما يبلغُ الجاهلُ من نفسِهِ
في الموقف والنهج:
في سبل الحياة المختلفة يحدث مرَّة _ على الأقلِّ_ أن يقف الإنسان على حافة من الاختيار بين طريقين مهمَّين في واحد منهما تنطوي فرصة الحياة، ومنحة الوجود، ولا مقياس يمكنه أن يقود إلى درجة الحيرة والقلق اللذين يحفَّان بشخصٍ يفكِّر: أيُّ طريق يفضي إلى الحياة، وأيُّ طريق يعدمها!؟
في السياسة لا يتعلَّق الأمر بإعطاء فرصة حياة واحدة، لأنَّ كلَّ ما يحدث بالسياسة وفي السياسة ينسحب من خانة التعاطي الشخصي، ليصبح نهجًا عموميًّا، ويصبح النزوع إلى الخطأ فيه محنة جماعيَّة؛ لأنَّ خطيئة السياسة خطيئة لا تُغتفر، ونجاحها هو ببساطة سبيلٌ لتسيير منحة الحياة للناس الذين تركوا خطَّ حياتهم الفاصل في جعبة رجالها.
مضنٍ هو النزاع الداخلي بين ما يجب، وما لا يجب في حقل مزدحم بخيارات تجتهد قوى خفيَّة في الاحتفاظ بها مرتبة على نحو فوضوي كي تنضح من خلال هذه الفوضى المصالح المبيَّتة لفئاتٍ، وجهاتٍ آخر نوايا أفعالها مصلحة الأبرياء.
ليس النجاح هنا في مضاعفة الفوضى، ولا في اختراع فوضى جديدة، ولا في ضرب فوضى بفوضى، بل في القدرة على ضبط النفس عن الانزلاق، والنزوع نحو التورُّط لمجرَّد التورُّط، للانحشار في الصراع المُجدول، وتتبُّع الفخاخ، لا لإزالتها بل للوقوع الساذج فيها؛ لأن الذي يقع ليس وحيدًا كي يُمنح حريَّة التجريب الفردي المحدود النتائج، بل لأن الذي يقع (وطن) بكامله، بكل هذا المعنى الهائل المتسع للكلمة.
وهذا المعنى الهائل المُتسع هو الذي يعطي تقرير المصير فرصة إضافيَّة، بل فرصاً للتفكير والبحث والنظر إلى أبعد النقاط التي يمكن أن تصل إليها خطَّة المسير، وأبعد النقاط التي يمكن أن تصل لها الطرق الضالَّة عن خطَّة المسير، والأخرى المتشعبَّة عنها اضطرارا، لكي يمكن أن نقول على الأقلِّ: إنـَّنا نستحق أن نقرِّر المصير، وأن نجرَّ العربة المحمَّلة بالوطن وأناسه نحو النهاية السعيدة المأمولة في آخر الأمر.
ولأجل هذا كان ينجح البعض فيما يفشل البعض الآخر، لأنَّه بهذا الفرق _ بين من يجنح نحو خير الجميع وبين من يجنح نحو جمعه الخاصِّ_ تموت أممٌّ، وتحيا أخرى.
ولأنَّ التخلُّص من النزوع نحو خير الذات أو الجماعة الخاصَّة ليس هيِّنًا أو عابرًا فإنـَّه في جوهره هو البطولة، هو الشجاعة والنصر غير المرئي، هو السكون الذي يمنح الماء فرصة كي تبين الحقائق تحت صفحته، وكي تخرج النكسات المكدَّسة، والخيبات العالقة في قعره، ولكن.. لأنـَّه لا يشبع هواة الضجيج والمفرقعات الإعلاميَّة فإنـَّه يخرج من حساب الخيارات المقبولة.
إنعاش الذاكرة:
حينما لا نتعظ من الأخطاء التي يرويها التاريخ فإنَّنا_حتماً _ سنكرِّرها، وحين تؤشِّر المعطيات إلى نتيجة واحدة قد آلمَ الكثيرَ وقوعُها، فإنَّ مواكبة سير الأسباب إلى نتائجها المؤلمة لا يعدو أن يكون انتحارا متعمَّدًا.
لنقل إنَّ عدة معطيات هي أسئلة الاختبار الأخير الذي يمكن أن تنتهي عنده الحياة، أو يمكن أن تبدأ بحسب القدر الراجح من تقدير العواقب الذي يعبئ خانة الخيارات: كي نضع (نعم) حيث يجب، و(لا) حيث ينبغي، كي نحيا _ على أقل تقدير_، وكي نكون أبطالاً على طريقتنا حين نبلغ الدرجة النهائيَّة_على التقدير الأكثر تفاؤلاً_!
آخر دروسنا المفجعة كانت محنة العام 90م، وكانت المحنة أصلاً اختبارًا سيئًا، لأنَّ مؤدِّيه لم يقرأ كفاية دروس التاريخ، وعبث على نحوٍ مزرٍ بخانات الإجابة؛ لأنَّه صَعُب عليه أن يضع (نعم) ملائمة ومُنجية هي ضمنيًّا (لا) ضد الذات المتضخِّمة، وكان لزامًا بعد ذلك أن تتضخَّم العواقب لدرجة أن انحشرت لقمة المصيبة تلك في بلعوم التاريخ، وهو حتى هذه اللحظة يجاهد للخلاص من أعباء تلك المرحلة، ومن سواد تلك الخطايا.
وكان مُضنيًا أن تتحمَّل أمَّة بكاملها نتائج الغباوة الديكتاتوريَّة التي تضخَّمت مرآتها الوحيدة، وتمخَّضت عن صورة القائد الوحيد، ومن غرابة أن مرآة التلفاز تتمخَّض عن القائد الوحيد يلعب وحيدا فوق مسرح المحاكمة الفريدة!
إنَّ الإنسان يسعد حين يتعظ بغيره، حين يدرس الصفحات السابقة حين يقرأ الوصايا التي تركها الآخرون_عَرَضاً وبشكلٍ مجَّانيٍّ _ على جدران التاريخ، وحين نعبِّر اليوم عن حزننا لما يحدث، أو خوفنا من تكرار مآسٍ سابقة فليس ذلك لأنـَّنا نتحكَّم، أو نملي نحن نقول فقط: إنَّ درسًا جديدًا لا ينبغي أن يُفهم فوق سبورة لبنان، أو في دفاتر سوريا، لأنـَّه يكفي الدماء التي سبقت، والدموع التي ذُرفت والضحايا والمنايا المجانيَّة، وحفلات الشواء البشريَّة.
في الخطايا السياسيَّة القاتلة يحدث أحد أمرين: سوء تخطيط أو سوء توقيت، وما يحدث اليوم للبنان هي خطيئة دخيلة تجيء من اللاشيء، كان يوجع أن يقود الرئيس المنتخب_ظاهريًّا_ بلده إلى الدمار، لا نعرف_بعد _ إلى أي قدر يمكن أن يوجع أن تقود بلدًا إلى الدمار دولةٌ أخرى، أو قوًى أخرى تصفِّي حساباتها على أرضه؟! أيكون هذا نوع من تجريب أشكال التدمير والسحق التي يبدو أنـَّه قد كُتب علينا_لسذاجتنا_ أن نخوضها؟!
فتنة التصنيف:
لا تفرغ جعبة النوايا السيئة يومًا، وبالنوايا السيئة تصبح الخيارات الحسنة موضع اتهام وتشريح وتشكيك وتصنيف تخضع كلها لقناعة عدائيَّة مستقرَّة.
في أوقاتٍ كثيرة كانت خياراتنا الحسنة موضع اتهامٍ شرس فقط لأنَّنا نقع في خانة الشعب الذي لا يعي معنى المقاومة، ولا كنه الحرب، فخياراتنا الحسنة تبدو مجرَّد أوهام، وأحلام يقظة يُستنفر لتفنيدها، وإثبات عدم شرعيتها مهرِّجو المحطَّات الفضائيَّة، فإذا ثبتت نجاعتها انفضَّ سمَّار السِّرك دون أن يقول أكثرهم رشدًا: حسنًا ربما كان هذا الرأي صحيحاً!!
في الشأن السياسي ليس بالضرورة أن تخبر الحرب فعليًّا كي تنجح؛ يكفي فقط أن تحسَّ بقلبٍ سليمٍ أنَّ هلاكًا يمكن أن يكون، وأنَّ جوعًا يوشك أن يعمَّ فقط لأنَّ أحدًا ما توجعه رهاناته التي لم تكسب، وخياراته التي توشك أن تشيخ لأنـَّها لم تعد تصلح لمآلفة الواقع الجديد، وهو على استعداد مطلق لأن يوجع العالم كلَّه كي ينعش فرصه الهالكة!!
إنَّ نظام (وهل أنا إلاَّ من غزية إن غوت... غويت وإن ترشد غزية أرشد) لا يعصر للصغار حليبهم الصباحي، ولا يُظلِّل العرايا حتى بسقوف من صفيح، ولهذا لا يجب أن يكون هو النظام السائد لمجرد أنك إن لم تكنه فإنك_قطعًا _ تنطق بلسان الأعداء، وتتواطأ لمصلحتك الفردية، لأنـَّك إن لم تكن معنا فأنت معهم، وكأنـَّنا لا نملك أن نصنع خياراتنا الخاصَّة، وكأنَّنا لا يمكن أن نلقف ما خلَّفته جيوش أمِّ المهالك من آلامٍ تكفي حفنة منها أن تصنع أمصالاً ضدَّ حمَّى الشعارات ولوثتها القاتلة.
أيُّ أحدٍ يمكنه أن يبحث عن نجاح شخصي من وقوفه مع أو ضد كل ما يحدث إلا السعودية؛ لأنـَّها الوحيدة التي خلَّصت لبنان من رهانات الفرق والأحزاب التي لم يهمُّها موت الأبرياء بقدر ما كان يهمُّها تأكيد سلطتها ورفع أعلامها على جبال من جثث الموتى.
استغرقنا وقتٌ طويل كي ننهي ترتيب الفوضى، ولملمة الشظايا خلف الذين كانوا يؤثرون_بإصرار_ أن يجرِّبوا قبل أن يفكِّروا، إن كان ثمَّة حرب ينبغي خوضها فهي الحرب ضدَّ الجهل والتخلُّف والمرض، تلك العلل التي استنـزف أبطال الأمَّة المزعومون الوقت والمال والحماسة كي يضاعفوها، لكي يضمنوا قدرًا من الظلمات يكفي لتغطية عوراتهم السياسيَّة.
سهلٌ جدًّا أن تصرخ وتولول وترفع سماعة الهاتف الفضائي تجاه الأمناء العاطلين للجمعيات العتيقة الفارغة ليحدثوا_لهول فراغهم _ طرقعة مباغتة تعيد لوجودهم العدمي بعض النشوة وهم يؤكِّدون أنـَّها الحرب الحاسمة، ثم يغيبون انتظارًا لغباوة جديدة كي ينهجوا طريقتهم المعتادة، ويتلون الخطابات العتيقة التي ظلَّت تُرحَّل من هزيمة إلى أخرى!!
قد يحزُننا_قليلاً_ تصنيفنا ضمن خانة الأعداء والمتآمرين، لكن يحزننا أكثر أن الكثير ممن يضعون التصنيفات هم في جملة الضحايا المحتملين؛ لكن ما الذي يمكن فعله إذا كانت اللوحة مضيئة والعيون معتمة!!؟
جريدة الرياض الخميس 23 رجب 1427هـ _ 17 أغسطس 2006م _ العدد 13933http://www.alriyadh.com/2006/08/17/article179559.html
حميدان التركي... وما هو أبعد من الأسر!
(إنَّ الأمم تصنع تماثيل كبيرة للأشياء التي تفتقدُها أكثر) برنارد شو تعليقاً على تمثال الحرية في مدينة نيويورك!
ـــــــــــ
إنَّ فكرتنا عن الأمور تابعة للمكان الذي ننظر إليها منه، ولا يمكن أن تفلت الأفكار من حبال التصوُّرات المسبَّقة لتـتشكَّل في وسط متجرِّد تمامًا، لأنَّه أمرُ معجز: أن يمكن لشخصٍ أن ينظر إلى أمرٍ واحد من وجهيه المتقابلين؛ ثم يحكم بنزعة استثنائيَّة نحو التجرُّد والنزاهة!! ندرك جميعاً أنَّ هذا الوجه الواسع من العدالة ليس شيئاً سوى الكمال الإلهي المطلق، حيث يطلُّ القاضي على الأمور من علو، بحيث لا تلفته تلك القامات التي تعلو الأخرى!!
قد لا تكون العدالة الأرضيَّة كافية لتنقذ العالم من جنونه، وتضع المقادير الفالتة في نصابها الصحيح، لكن بقدر من موازنة الأمور، وقليل من التجرُّد يمكن أن نتوصل إلى قدر معقول من السكون، يمكن معه أن تستريح الأنفاس اللاهثة، وتعود فيه وسائد النوم إلى دورها التقليدي في الحياة: تحت الرؤوس لا فوقها.
حين أُسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت على يد مجموعة من فصائل المقاومة الفلسطينيَّة أصبح للإسار وجه جديد؛ كان الوجه السائد العادي المألوف: أن يُؤسر ألفُ فلسطيني دفعة، أن يقترح جنديٌّ أمريكيٌ_في لحظة مللٍ_ لعبة مسليَّة بأجساد بشريَّة حقيقة في سجن أبي غريب، أن تعبَّأ السجون الأمريكيَّة بالآلاف بقائمة من التهم أعلاها شأنًا: الملامح الشرقيَّة!!
ولم يكن لنا حقٌّ حتى في الاعتراض، وربما استحال الاعتراض تهمة، وغدا الرفض باللسان جناية، فقط لأنَّ القاضي يملك فكرة سابقة عنَّا، ويأخذ بعين الاعتبار مقدار قامتنا، وصفر الحيل الذي يسكن يدنا!
ولم يكن جلعاد أسيرًا بريئًا، لم يُختطف وهو يذرع خمائل (كرم أبو سالم) في سلام المُهادنين، وتأمُّل الحُجَّاج إلى الأرض المقدَّسة، بل كان هو النموذج المثالي للمعتدي: جندي، مسلَّح يقتطع أرضك، ويطأ عرضك، ويسبقك ويشتكي، وفوق ذلك تُحَلْحِل الوساطاتُ قُفلَ أسره، وتؤخذ (مظلمته) مأخذا جادًّا، ويبدو الكون كلُّه وكأنَّ لا أسير فيه إلا جلعاد، ولا عزاء لقتلى جلعاد!!
وحين اعتقل حميدان التركي المبتعث السعودي في الولايات المتحدة الأمريكيَّة كان العالم ينتظر أن تـتلو السلطات بيان الاعتقال، وكان يُنتظر_بناء على ملابسات الاعتقال غير الإنسانيَّة_ أن تكون التهمة من العيار الثقيل، وإذ بالأيام تفرج عن شبهات ملفَّقة، لا توازي جريمة اختطاف الأمن من عيون صغار حميدان..!
لحميدان (البريء)... هل يمكن أن ينظر العالم المهووس بأمنه، المفتون بفكرة مسئولية الذقن الكثة عن مشاكله كما ينظر إلى جلعاد (المعتدي)؛ حميدان المأخوذ بجناية مفصَّلة على مقاس العربي المسلم، هو واحد من آلاف هم مجرَّد ضحايا للولع بالأمن والإفراط في تنفيذ نسخ مصغرة عن الضربة الأمريكية الاستباقية في العراق، ونظرية أنَّك مدان بأيِّ شيء، حتى نثبت أنَّك مدان بالشيء المقصود، أأثبتناه الآن، أو بعد سنة، أو حتى إن لم نثبته على الإطلاق...!
لحميدان.. لا نطلب شيئًا كثيرا؛ لا يطيب لنا أن نجنزر الجنازر، ولا أن نعبئ البنادق، ولا أن تشق طائراتنا أكباد السماوات، ولا أن نساوي البيوت الفقيرة بالأرض، ولا أن نفترض أن خليَّة إرهابيَّة تختبئ بين البيوت فنلاحق الخليَّة ونهدم البيوت كي ننقذ ظفر حميدان؛ لأن البريء لا يشتري براءته من جريمة أُلبست له عنوةً بارتكاب غيرها، وحده المجرم يُحْسِن سَلْسِلة جرائمه، وبثَّها على الفضاء أمام العدالة العوراء، دون أن يستحي أن يقول: إنَّه جنديٌ قاتل.. سلاحه معبَّأ، وخنجره دامٍ.. ومع ذلك فإنَّه بريء...
مجلة اليمامة العدد 1933 _ 25/11/2006
http://www.yamamahmag.com/1933/25.html
هـــذه اللَّـحـظـة!!
مثالاً على الصمت الذي يغدو أبلغ من الكلام تأتي فقرة تلفزيونية عابرة نقيَّة لا تقول في الظاهر شيئًا وهي في حقيقتها تقول كلَّ شيء، في (العالم هذه اللحظة) تأتي فاصلة هادئة تسمح لنا أن نصمت قليلا بين خضمٍّ من جملٍ الصراخ.
لم يبدُ يومًا أن مسألة (الأحوال الجويَّة) يمكن أن تكون مسألة ذات بالٍ إلا لمن كان على وشك سفر يُحتمل أن تعطِّله أجواء عاصفة، أو لمن يتلهف كي يشاهد نشرة الأخبار فيتسمَّر عند النشرة الجويَّة كما لو كانت شيئًا لا مفرَّ منه، قهريًّا ولازمًا وغير ضروري!! كان ينبغي أن يتلاعب أحد بفكرة عرض الطقس كي تكون _وعلى نحو غير مسبوق_ برنامجًا مفضَّلاً يستحقُّ الانتظار، كي تؤخذ مأخذا جادًا، أو أن تكون موضوعًا ذا مغزى لشخص لا علاقة له بفكرة الأرصاد الجوية إلا حين يتورَّط في مسألة بدء الحديث مع شخص غريب؛ فيفتتح حواره بمسألة: (طقس اليوم) الرتيبة.
في العالم (هذه اللحظة) تبدو مسألة الأحوال الجوية أبعد بكثير من المتاع الطقسي الذي يعبئه البرنامج القصير في فراغ ما بين البرنامج السابق ونشرة الأخبار على قناة العربيَّة، لأنَّه_بالضبط_هذه (اللحظة) ليس الأمس البائت، وليس الغد المحتمل، ليس الصور الجوية التي تلتقطها الأقمار الصناعيَّة، حيث تشبه السحب فيها وجه جنين تتلصص عليه الأشعة، أو حيث يغدو وجه العالم مرقَّعا بأسهم فاقعة، وملطَّخًا بسحابات سيئة الصنع، إنَّه مجرد اختلاسة تطوى فيها المسافات، وتترك المدن على سجيتها، والعابرون على هوى خطواتهم العشوائية، تسكن تفاصيل الطقس_حيَّةً_ فوق وجوههم: الشمس الساطعة، رذاذ الصباح، ندف الثلج، وعصف الرياح، هي لحظة اختصار العالم الذي تتعب كلُّ القنوات في ملاحقته، وفرز أخباره: سياسة، اقتصاد، رياضة، إنَّه الوجود العادي الهادئ التلقائي المجرَّد، هو جذاذة من المتعة القصيرة قبل أن يتلوى العالم في صور الفضاء الدموية، دون أن تتحوصل فكرتنا عن العالم في نطاقات استوديوهات الأخبار، وحدود شريط الأخبار، والشريط الذي يعلوه للأسهم، وأحياناً في البقعة التي تذكرنا بالحصرية: ونحن لا نعلم أنحن المحصورون في الفقرة الحصرية، أم هي المحصورة في فلك فهمنا، أم أننا وإياها محصورون في مكعب اللعبة السياسيَّة الكبيرة؟
في (العالم هذه اللحظة) تأتي الحياة على طبيعتها، ويتضح_بجلاء_ كم نحن يائسون كي نتأمل الصور النظيفة للعالم؛ حيث لا تأتي سوى المدن الحسناء وتأسرنا تفاصيلها: حيث لا زحام، لا نفايات تعصف بها الريح، لا دماء توحي بالجثث العابرة، تنتقي الكاميرا لحظات المدن من أطراف العالم البعيدة، وكأن الفقرة تأهيل ضروري للمشاهد، وتذكير بأن في العالم أشياء جميلة ونظيفة، وأن مدننا المشوهة بالدماء والدخان والزحام ليست هي الوجه الوحيد للكرة الأرضيَّة، وأن الكاميرا رغم كل ما يقال عن الديموقراطيَّة والمساواة لا يمكن أن تكون منحازة إلاَّ للجمال!!
مجلة اليمامة
(إنَّنا في هذا الوطن الحبيب لم نحقِّق ما حقَّقناه من أمن وأمان ورخاء ورفاه إلاَّ بفضل العقيدة الإسلامية ثم بفضل تمسُّكنا بوحدة هذا الوطن وإيماننا بالمساواة بين أبنائه، وإنَّ أيَّ حوار مثمر لا بد أنْ ينطلق من هاتين الركيزتين ويعمل على تقوية التمسك بهما فلا حياة لنا إلاَّ بالإسلام ولا عزة لنا إلاَّ بوحدة الوطن).
الملك عبد الله بن عبد العزيز
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد سنواتٍ من الآن ستظهر جدوى المركزيَّة التي يحظى بها الحوار اليوم، وستتجلَّى قيمة نقله من خانة المواربة في العلاقة بين الأطياف إلى سمة الجوهريَّة في نشاطات الحياة المختلفة.
إنَّ رداء الأهميَّة القُصْوى الذي خلعته الدولة على الحوار منذ سنوات قريبة، وتبنَّاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز – حفظه الله _ أسلوبًا لإدارة الدولة لا يخضع لمفهوم التنازلات التي تُظهرها جهة ما، أو فئة بعينها بقدر كونه وعيًا، وثقة بأنَّ ما قد يقوله الآخر المقابل على طاولة التحاور ليس بالضرورة قاتلاً أو مؤذيًّا، بلَّ لعله الأقدر على إكساب الجهة المقابلة قوَّتها، بتصحيح المفاهيم، وإزالة الغشاوات، وردم خنادق الخلاف التي تقطع الطريق على التواصل المُثْري.
إنَّ هذا التأكيد لقيمة الحوار الذي يظهر في أحاديث المليك عبد الله بن عبد العزيز ليس مجرَّد تجريب غير معلوم النتائج، أو ضرب من التصادم مع مجهولٍ بقدر كونه حدساً تهيِّئه القراءة المتفهِّمة لمعطيات المرحلة، والتواصل المثمر مع دروس الماضي؛ فالتحاور جوهريٌّ لا لأنَّه قيمة شكليَّة يتزيَّن بها الحاكم ليبدو أكثر ديموقراطيَّة وعصريَّة وانفتاحا بل لأنَّه إدراك عميق يؤمِن بأنَّ النصيحة موجودة كي نبذلها، وبأنَّ النقص موجود كي يكتمل في صورة تمام، وبأنَّ الخطأ موجود كي يحقِّق الصواب ظهوره على حسابه، وبأنَّ الصواب المُطلق غير موجود بل توجد خانة قريبة من الصواب، وهي خانة لا يمكن أنْ ينجزها طرف واحد، ولا شخص واحد، ولا فئة واحدة كما أنَّ القدم الواحدة لا يمكن أنْ تنجز أكثر من خطوة واحدة، ونحن – في هذا الوطن _ ننظر بعينين متفائلتين إلى مستقبلٍ من آلاف الخطوات.
تقول أودينا هولمس: ( كلَّما أحسسنا ذواتنا أفضل، انتفت الحاجة إلى أن نلغي الآخرين من حولنا )، إنَّ الحوار –وحده_هو الأقدر على الوصول بالإنسان إلى أقصى إمكانات نضجه الفكري والروحي؛ فهو الذي يلغي الصوت الأحادي المسيطر، وهو الذي يؤمِّن السقف العالي من الثقة بالنفس الذي يتعزَّز ويعلو بوجود الآخرين لا بإلغائهم، ولو كانت الثقة تتعزَّز بهذا الإلغاء لما كان خليفة راشد بحجم أبي بكرٍ الصدِّيق ( رضي الله عنه ) يتَّجه إلى الناس، ويرخي ظلَّ سمعه إلى نصحهم، ويتمنَّى عليهم أنْ يصوِّبوه إنْ نزح إلى باطلٍ في يوم ما، وليس الصدِّيق كأحدٍ منَّا اليوم، ولسْنا بمعزل عن زللٍ تقوِّمه مرآة صادقة يرفعها طرفٌ آخر في جلسة حوار حضاري.
إنَّ الفكرة الصحيحة تستمِّد مزيدا من الصحَّة والقبول بكونها فكرة قابلة للنقاش، ومعروضة للنقد، ومن هنا كان انطلاق صنَّاع القرار في هذا العهد الجديد _بقيادة الملك عبد الله _ نحو تأصيل الحوار، وتحويله من آلية واجبة ربَّما لا يستسيغها البعض إلى أسلوب حياة ومنهج عيش وتعايش، فهو قبل كلِّ شيء نهج إسلامي؛ فالإسلام كان الداعي الأوَّل إلى فكرة الشورى، وإلى التمحيص قبل القبول، والاقتناع اليقيني قبل الجزم، واختبار الآراء قبل العمل.
إنَّ صمود الأمم هو نتيجة حتميَّة لقدرتها على التكيُّف مع التغيُّرات المختلفة، و إلاَّ فإن المعاكسة والتصلُّب في الرأي هما طريق الفناء، والحوار_بلا جدال_هو قطب رحى التغيير المدروس والمأمول الذي سوف ينقلنا نحو المستقبل؛ ففيه ستعبِّر كلُّ الفئات عن حاجاتها، وستطوَّع أجهزة الدولة لخدمة هذه الحاجات، وستتجدَّد الأجهزة العضوية لجسد البلاد فتقاوم شيخوخة الجمود، والعجز.
لربما كان بريخت جازمًا حين قال: ( حين يفرغ الحاكمون من كلامهم، سوف يتكلَّم المحكومون) ولكنَّنا أكثر جزمًا حين نقول بأنَّنا نمتلك وطنًا فريدًا حيث لا أحد يصمت كي يتكلَّم الآخر، ولا أحد يسلب حقَّ من كان في الحديث، أو التعبير، لكنَّنا نتبادل أدوار الكلام، ونتقاسم الحق في طرق القضايا الكبيرة والصغيرة بقدر متساوٍ من الحريَّة والشفافيَّة، إنَّنا حيث يستمع طرف للآخر كي يجد مادة كلامه القادمة، وكي تعود للكلام صورته التبادليَّة الجميلة الفاعلة، الصورة التي ينجز بها المجتمع المتحضِّر فروض نهضته المرتجاة.
مجلَّة اليمامة العدد 1883 تاريخ 24 شوال 1426هـ
* جملة كانت ترد في برنامج (حدث في مثل هذا اليوم) خاصَّة بفقرة (وُلد في مثل هذا اليوم).
** مكتشف لقاح شلل الأطفال.
أبو البنيَّات..!
في برنامج للإفتاء تستفتي متحدِّثة غاضبة الشيخ حول مسألة تفضيل جدَّتها للأحفاد الذكور، مرتكزةً_أي الجدَّة_ على سندٍ شرعي يؤيِّد ما تنزع إليه_بزعمها_وهو قول الله تبارك وتعالى:( وليس الذكر كالأنثى)36:آل عمران، وردَّ الشيخ_على ما أذكر_بأن التفضيل في الآية ليس على إطلاقه؛ بل هو في معرضٍ معيَّن وهو مسألة تولي مريم عليها السلام شؤون المعبد، حيث كان نذر أمِّها مبنيًّا على أن يكون المولود ذكرًا يناسب هذه المهمَّة.
تذكَّرت هذه الحادثة عندما تمَّ انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما (أبو البنتين)، الذي ستصبح فترة رئاسته هي خامس فترة رئاسيَّة أمريكيَّة يخلو فيها البيت الأبيض من (الصبيان)؛ فالرؤساء الذين تعاقبوا على هذه الولايات الخمس: بيل كلينتون لفترتين 1993_2001، ثم بوش الصغير 2001_2009 لفترتين أيضًا، ثم أوباما ابتداءً من 2009 كانت ذرِّيتهم من البنات فقط_إلا إذا قرَّرت ميشيل أوباما أن تحبل من جديد وهذا مستبعد_، كان لكلينتون ابنة واحدة هي تشيلسي التي عاشت فترة مراهقتها في البيت الأبيض، ونالت نصيبها من الانتقادات حول مظهرها، حتى رأيناها شابة تطارد مع والدتها_هيلاري _ حلم الرئاسة مرَّة أخرى، ولبوش ابنتان توأم هما بربارا وجينا، وزفَّ بوش مؤخرًا ابنته بربارا في أوَّل حفل زفاف رئاسي منذ عقود، وأخيرًا جاءت ابنتا أوباما ماليا وساشا وهما عدا عن كونهما من أصغر أطفال البيت الأبيض سنًّا، فهما أوَّل صغار هذا البيت من العرق الأسود.
لن أفيض كثيرًا في مسألة تفضيل الذكر على الأنثى في ثقافتنا المحليَّة، فلدينا من الحكايات والأمثال ما يكفي للقول إن الكفَّة راجحة لصالح الولد، يكفي أن تنجب الزوجة ابنتين أو ثلاث حتى تصبح مسألة انتظار الولد هي شغلها الشاغل، وتبقى رهينة لضغط اجتماعي_ليس مباشرًا بالضرورة_ لكنه موجود ولا يمكن نكرانه حتى في الأوساط الأكثر انفتاحًا وتعلُّمًا وثقافة!
الاتجاه نحو تفضيل الذكور مزروع في الثقافة الشرقيَّة عمومًا، غير أن تفاصيله وأسبابه تتعدَّد حسب كلِّ دولة، وحضارة، اعتقد أن ثقافتنا المحليَّة تستمدُّ فكرتها حول إنجاب الذكور والإناث من الميراث الجاهلي، صورة المرأة العار، الخوف من السبي، ضياع إرث العائلة وتبدُّده بين الغرباء! فأولاد البنت غرباء على حدِّ قول الفرزدق:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهنَّ أبناء الرجال الأباعد!
ومع أن الدين الإسلامي نزع كثيرًا من الأفكار الجاهليَّة، إلا أن هذه الفكرة مع جملةٍ من الأفكار غيرها ظلَّت راسخة في العقل العربي ترفض الفكاك منه.. أو يرفض هو الفكاك منها!
في الحضارة الهنديَّة يكون ميلاد الفتاة مأساة في عائلتها لسبب مختلف؛ فالفتاة تولد بعبئها المالي الضاغط (الدوطة)، فالأب ملزم بدفع مال للزوج المتقدِّم لابنته (مهرٌ باتجاه عكسي)! وكلُّ فتاة تولد في العائلة تعني مزيدًا من الأعباء، ولهذا نشطت في الهند عمليات الإجهاض الانتقائي لأجنَّة الإناث!
في ثقافات شرقيَّة أخرى لا يسبِّب ميلاد البنت مشكلة إلاَّ في أوضاع معيَّنة، ففي اليابان_حيث يصعب تصوُّر وجود هذه النظرة عطفًا على تطوُّرها الحضاري_ عانت زوجة ولي العهد الأميرة ماساكو الأمرَّين لأنها أنجبت بنتًا في الوقت الذي ينتظر فيه عرش الأقحوان وريثه الذكر، وُلدت الأميرة إيكو، وأذكر وقتها أن عناوين الصحف اليابانيَّة التي صدرت نهار اليوم التالي قد حملت شعور الخيبة الذي سيطر على الإمبراطوريَّة اليابانيَّة من خلال جملة واحدة:(إنـَّها مجرَّد بنت!)، لكن اليابانيين تنفسوا صعداء الرضا عندما أنجبت زوجة الابن الثاني لإمبراطور اليابان ولي العهد المناسب: (الولد) الأمير هيسا هيتو، وأصدرت الصحف اليابانيَّة التي حملت خبر ولادته طبعات ثانية لأنَّ الناس تهافتوا على شرائها كي تبقى تذكارًا للحدث السعيد! وهكذا حُـلُّت المشكلة، ولم تعد مسألة تولي الأميرة إيكو ولاية العهد _معاذ الله_ مطروحة!
هناك فرق بين الثقافة الشرقيَّة والثقافة الغربيَّة بلا شك، وإذ تبدو مسألة إنجاب الذكور مصدر فخر، وعلامة رجولة وفحولة، فإن هذا المبدأ يجب أن يتخلخل قليلاً، لأنـَّنا_الشعوب العربيَّة_ مهما كثـُر أولادنا فلا قيمة لهم إذا كنا نسير بأمر آباء البنات، آباء البنات فعَّلوا الحصارات، وشنَّوا الحروب، خطُّوا المعاهدات وفق شروطهم، ولم يمكن لأحدٍ أن يعيِّرهم بخلفتهم الناقصة!!
تذكَّرت هذه الحادثة عندما تمَّ انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما (أبو البنتين)، الذي ستصبح فترة رئاسته هي خامس فترة رئاسيَّة أمريكيَّة يخلو فيها البيت الأبيض من (الصبيان)؛ فالرؤساء الذين تعاقبوا على هذه الولايات الخمس: بيل كلينتون لفترتين 1993_2001، ثم بوش الصغير 2001_2009 لفترتين أيضًا، ثم أوباما ابتداءً من 2009 كانت ذرِّيتهم من البنات فقط_إلا إذا قرَّرت ميشيل أوباما أن تحبل من جديد وهذا مستبعد_، كان لكلينتون ابنة واحدة هي تشيلسي التي عاشت فترة مراهقتها في البيت الأبيض، ونالت نصيبها من الانتقادات حول مظهرها، حتى رأيناها شابة تطارد مع والدتها_هيلاري _ حلم الرئاسة مرَّة أخرى، ولبوش ابنتان توأم هما بربارا وجينا، وزفَّ بوش مؤخرًا ابنته بربارا في أوَّل حفل زفاف رئاسي منذ عقود، وأخيرًا جاءت ابنتا أوباما ماليا وساشا وهما عدا عن كونهما من أصغر أطفال البيت الأبيض سنًّا، فهما أوَّل صغار هذا البيت من العرق الأسود.
لن أفيض كثيرًا في مسألة تفضيل الذكر على الأنثى في ثقافتنا المحليَّة، فلدينا من الحكايات والأمثال ما يكفي للقول إن الكفَّة راجحة لصالح الولد، يكفي أن تنجب الزوجة ابنتين أو ثلاث حتى تصبح مسألة انتظار الولد هي شغلها الشاغل، وتبقى رهينة لضغط اجتماعي_ليس مباشرًا بالضرورة_ لكنه موجود ولا يمكن نكرانه حتى في الأوساط الأكثر انفتاحًا وتعلُّمًا وثقافة!
الاتجاه نحو تفضيل الذكور مزروع في الثقافة الشرقيَّة عمومًا، غير أن تفاصيله وأسبابه تتعدَّد حسب كلِّ دولة، وحضارة، اعتقد أن ثقافتنا المحليَّة تستمدُّ فكرتها حول إنجاب الذكور والإناث من الميراث الجاهلي، صورة المرأة العار، الخوف من السبي، ضياع إرث العائلة وتبدُّده بين الغرباء! فأولاد البنت غرباء على حدِّ قول الفرزدق:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهنَّ أبناء الرجال الأباعد!
ومع أن الدين الإسلامي نزع كثيرًا من الأفكار الجاهليَّة، إلا أن هذه الفكرة مع جملةٍ من الأفكار غيرها ظلَّت راسخة في العقل العربي ترفض الفكاك منه.. أو يرفض هو الفكاك منها!
في الحضارة الهنديَّة يكون ميلاد الفتاة مأساة في عائلتها لسبب مختلف؛ فالفتاة تولد بعبئها المالي الضاغط (الدوطة)، فالأب ملزم بدفع مال للزوج المتقدِّم لابنته (مهرٌ باتجاه عكسي)! وكلُّ فتاة تولد في العائلة تعني مزيدًا من الأعباء، ولهذا نشطت في الهند عمليات الإجهاض الانتقائي لأجنَّة الإناث!
في ثقافات شرقيَّة أخرى لا يسبِّب ميلاد البنت مشكلة إلاَّ في أوضاع معيَّنة، ففي اليابان_حيث يصعب تصوُّر وجود هذه النظرة عطفًا على تطوُّرها الحضاري_ عانت زوجة ولي العهد الأميرة ماساكو الأمرَّين لأنها أنجبت بنتًا في الوقت الذي ينتظر فيه عرش الأقحوان وريثه الذكر، وُلدت الأميرة إيكو، وأذكر وقتها أن عناوين الصحف اليابانيَّة التي صدرت نهار اليوم التالي قد حملت شعور الخيبة الذي سيطر على الإمبراطوريَّة اليابانيَّة من خلال جملة واحدة:(إنـَّها مجرَّد بنت!)، لكن اليابانيين تنفسوا صعداء الرضا عندما أنجبت زوجة الابن الثاني لإمبراطور اليابان ولي العهد المناسب: (الولد) الأمير هيسا هيتو، وأصدرت الصحف اليابانيَّة التي حملت خبر ولادته طبعات ثانية لأنَّ الناس تهافتوا على شرائها كي تبقى تذكارًا للحدث السعيد! وهكذا حُـلُّت المشكلة، ولم تعد مسألة تولي الأميرة إيكو ولاية العهد _معاذ الله_ مطروحة!
هناك فرق بين الثقافة الشرقيَّة والثقافة الغربيَّة بلا شك، وإذ تبدو مسألة إنجاب الذكور مصدر فخر، وعلامة رجولة وفحولة، فإن هذا المبدأ يجب أن يتخلخل قليلاً، لأنـَّنا_الشعوب العربيَّة_ مهما كثـُر أولادنا فلا قيمة لهم إذا كنا نسير بأمر آباء البنات، آباء البنات فعَّلوا الحصارات، وشنَّوا الحروب، خطُّوا المعاهدات وفق شروطهم، ولم يمكن لأحدٍ أن يعيِّرهم بخلفتهم الناقصة!!
(من وحي يوم البيعة المفتوح بكليَّة التربية للبنات بالرياض الفرع الأدبي)
حُـزنُ الرَّحيلِ... وتماسُك البيعة
حُـزنُ الرَّحيلِ... وتماسُك البيعة
مَـمَـرٌّ :
( نجمةٌ تخيط نفسها قي رقعة السماء... حتى النجوم تبحث عن وطن... أو أيِّ شيء يشبه الوطن ).
لا يجرؤ العقل المفكِّر على استساغة رحيل الأيام المشهودة دون تملِّيها، واستفراغ مكنونها من الحكم، واستنطاق ما طوته من دروس وعبر، وإلا لما كان للتاريخ جعبة ملأى، ولا للرواة حكايات تحصدها ألسنتهم لتشبَّ من جديد: زرعٌ أُكله قاب قوسن من آذان الوعاة.
إنَّ التاريخ في حقيقته سلسلة من التتابعات والحوادث لا ينشأ منها حدثٌ من فراغ صرف بل إنَّ علائق الحوادث ببعضها هي مفسِّرات لما يلي من مراحل، وهي المنبئات عمَّا سيقدُم إذا استنهض العقل المفكِّر همَّته، وجاب_بعمقٍ_ظواهر الأمور وخفاياها.
إنَّ الاحتفاظ بذكرى رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز باعتبارها مصدرا للتأمل هي طريقنا نحو المستقبل فليس الأمر محض افتقاد وزوال كلٌّ منه دانٍ، فالموت مجرَّد حدث عابر تؤمِّن مساحة الإيمان الواسعة في أفئدة المؤمنين ظلالا تقي من عوارض الإغراق في النواح، وفقدان القدرة على الاحتمال والاستمرار، إنَّ الحدث الذي نتأمَّله اليوم ليس هو الموت بل دافع الحياة الذي يبثـُّه فينا الراحل حين يغيب مسلِّما إيَّانا وطنًا مكتملاً، وحياةً مقبلة، وإذنـًا بالرحيل نحو المستقبل.
لربما أدهشنا اندهاش الآخرين لما كان بالنسبة لنا مثلا وطريقة حياة في تعاملنا مع الموت، وقد نكون في أقصى مواطن دهشتنا حين ندرك أن الآخرين لا يعرفوننا بقدر كافٍ يمكِّنهم من فهم علل سلوكنا الفريد، أو الوصول إلى مفسِّرات مقنعة لما نعتبره حدثا اعتياديًّا، مفرطًا في بساطته وهدوءه، غارقًا في وداعة الطمأنينة والتسليم، فقط لأن الآخرين لا يستسلمون لتتابعات التاريخ التي تنتهي إلينا لتؤمِّن الحاضر: زاهرًا، وادعًا، متصالحًا مع الماضي على نحو فريد.
لكثرة ما تناول الإعلام ذلك بات واضحا أنَّ في الحدث ميِّزة استثنائيَّة، وصورة غير مألوفة والتحام غير نمطي، هناك كنهٌ جديد لحدث الموت في صورة الباعث والمحرِّض على اقتسام الفجيعة، واليقين بأنَّ حملها فوق أكفٍ متقابضة هو الطريق إلى جعلها فكرة للحياة لا للفناء، ومحرِّضا على التكوُّن لا التلاشي.
حين نعود للتاريخ ونقرأ التتابعات سيدهشنا صمود الوطن في صدمة رحيل الملك فيصل رحمه الله، فقد أُخذ على حين غرَّة، أُخذ وحيدا ولم يؤخذ الوطن آنذاك، كانت الحكمة في معالجة الصدمة تفوق الاضطراب الذي يمكن أن يودي بوطنٍ قائم يستشرف المستقبل، و إلا لمن يكون الفداء ؟! ولمن تُطرَّز التضحيات ؟! منذ ذاك بل قبله بكثير أيقن الجميع أنَّ الوطن أكبر من الموت والحياة.
وكان الوطن اليوم أكبر من الموت والحياة إذ لم يمضِ وقت طويل حتى أخذت الحياة مجراها بل إنها لم تتوقَّف: الناس يسلكون طرقهم اليوميَّة، ينجزون فروض حياتهم، الحزن الذي نمارسه حزن فريد وآسر، متجلِّل بالرضا ومختوم بتعاليم الدين الحنيف؛ لا يمكن أن نفرط في حزن لدرجة ننسى معه الحياة الطويلة القادمة، والعِظام الطريَّة، والعيون الناشئة التي ترقب المستقبل بأمل وخوف، ولا يمكن أن نفرط في الحزن على راحل نعلم يقينا أن حياته بطولها كانت منذورة لخدمة هذا الميراث الذي آل إلينا، وأنَّ شيئا لن يسعده بقدر مداومة الحفاظ عليه: وطنًا أشمَّ وهامةً عالية.
وليس الحفاظ على الميراث/الوطن أمرًا يسيرًا، إذ ليس العبء هو البقاء وحسب، أو صون الحدود، وتأمين الثغور، فهناك الحراك الدائم، والمشاركة في السباق، وخوض التنافس المحموم للاضطلاع بمهمة الريادة المُستحقَّة بعيدا عن التخرُّصات والأباطيل، وخذلا لأصحاب الأمنيات السوداء.
إنَّ عبء الأمانة ثقيل والاضطلاع به على نحو مرضٍ لا يستقيم إلا لذوي الحِجا والرجاحة، وإذا اجتمع مع ذلك دوام المشاركة في الأمر، وعدم الانفصال عن ساحة القرار كان الأمر أبعث للاطمئنان، لقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قلب القرار السياسي، وفي عين الحدث، وكان اتصاله بشؤون الوطن اتصالاً مباشرًا، فكانت حنكته هي المعوَّل عليها في نقل الوطن من حزنه إلى أطوار بنائه اللاحقة دون أن تخبو في عيون الناس أضواء العهد الراحل، ودون أن يفوتهم تدارس الحِكم المُستقاة من هذه الحقبة التاريخيَّة وأجلُّ هذه الحِكم: أنَّ الوطن القائم على أساس، الضارب بجذوره في عمق التاريخ لا تهزُّه الحوادث العابرة، وأنَّ خير الوطن ماثلٌ في السير على منهاج الراحلين لا البكاء والاعتراض على مشيئة الخالق.
لقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إبَّان ولايته للعهد الزاهر يؤمن إيمانًا مطلقًا بأنَّ الوطن هو الأساس، وأنَّ الشروع في بناء الفرد لا يتمُّ إلا على بنيان راسخ من الولاء، والإيمان المطلق بفرادة الوطن، وفرادة الرسالة التي يضطلع بإيصالها للعالم كافَّة، فلم نعجب ولم تتملَّكنا الغرابة حين كان الوطن_في أشدِّ الأيام صعوبة _ يتحمَّل أبناءه، يُضائل خطاياهم في عينيه لأنهما تنظران إلى ما وراء السلوك الفردي الجانح الطارئ، ولأن قدرة الوطن على الاحتضان مقدَّمة على الشروع في الانتقام، ولأن الخطوة القادمة تنصُّ على إعطاء الجميع قدرا متساويًا من الحرية لإثبات الذات.
ليست ( البيعة ) التي نحتفل بها هذه الأيام مجرَّد سلوك بروتوكولي، أو احتفال منمَّق، أو شعارات وخطب فارغة؛ بل إنَّ البيعة_في حقيقتها_واجب شرعي، قوامه الرغبة في اضطلاع من يُرى اقتداره بشؤون الأمَّة، واضطلاع الرعيَّة بالمقابل بمهام السمع والطاعة في إطار من التوازن، والفهم المشترك لحاجات الوطن، ومسئولياته.
لقد كان اليوم المفتوح للبيعة الذي أقامته كليَّة التربية للبنات بالرياض_الفرع الأدبي _ في يوم الأربعاء العاشر من شعبان مناسبة لاستذكار تاريخ هذا البلد، واسترجاع أمجاده استئناسًا بها في هذه المرحلة الفارقة، ولإدراك أنَّ ميراثا ثمينا من الأمن والرخاء والاستقرار والتقدُّم ومزاحمة العالم المتقدِّم لا يمكن أن يستمرَّ دون مزيد من الالتحام في وقتٍ يتربَّص فيه المتربِّصون، ويزداد فيه الحاقدون.
إنَّ إعلان البيعة في هذا الصرح التعليمي ما هو إلا تأكيد لحضور المرأة السعوديَّة: بانيةً، وصانعةً للمستقبل، وشريكةً في العطاء والعمل، ومواطنةً صالحة في رخاء الوطن وشدَّته، وهذا ما جسَّدته منسوبات الكليَّة وعلى رأسهنَّ عميدة الكليَّة الدكتورة ست الحسن الجهنـي في يوم البيعة المفتوح بإعلان الولاء، وتأكيد عهود الموَاطَنة الصالحة، العهود التي تتجدَّد في كلَّ يوم تضطلع فيه المرأة السعوديَّة بمهامها بإخلاص ووعي.
جريدة الرياض الاربعاء 24 شعبان 1426هـ _ 28 سبتمبر 2005م _ العدد 13610http://www.alriyadh.com/2005/09/28/article96950.html
من الـرياض إلى بيـروت
قـراءة في الحـدث و المـوقف
قـراءة في الحـدث و المـوقف
معبر:
لا يبلغُ العاقلُ من خصمِهِ ما يبلغُ الجاهلُ من نفسِهِ
في الموقف والنهج:
في سبل الحياة المختلفة يحدث مرَّة _ على الأقلِّ_ أن يقف الإنسان على حافة من الاختيار بين طريقين مهمَّين في واحد منهما تنطوي فرصة الحياة، ومنحة الوجود، ولا مقياس يمكنه أن يقود إلى درجة الحيرة والقلق اللذين يحفَّان بشخصٍ يفكِّر: أيُّ طريق يفضي إلى الحياة، وأيُّ طريق يعدمها!؟
في السياسة لا يتعلَّق الأمر بإعطاء فرصة حياة واحدة، لأنَّ كلَّ ما يحدث بالسياسة وفي السياسة ينسحب من خانة التعاطي الشخصي، ليصبح نهجًا عموميًّا، ويصبح النزوع إلى الخطأ فيه محنة جماعيَّة؛ لأنَّ خطيئة السياسة خطيئة لا تُغتفر، ونجاحها هو ببساطة سبيلٌ لتسيير منحة الحياة للناس الذين تركوا خطَّ حياتهم الفاصل في جعبة رجالها.
مضنٍ هو النزاع الداخلي بين ما يجب، وما لا يجب في حقل مزدحم بخيارات تجتهد قوى خفيَّة في الاحتفاظ بها مرتبة على نحو فوضوي كي تنضح من خلال هذه الفوضى المصالح المبيَّتة لفئاتٍ، وجهاتٍ آخر نوايا أفعالها مصلحة الأبرياء.
ليس النجاح هنا في مضاعفة الفوضى، ولا في اختراع فوضى جديدة، ولا في ضرب فوضى بفوضى، بل في القدرة على ضبط النفس عن الانزلاق، والنزوع نحو التورُّط لمجرَّد التورُّط، للانحشار في الصراع المُجدول، وتتبُّع الفخاخ، لا لإزالتها بل للوقوع الساذج فيها؛ لأن الذي يقع ليس وحيدًا كي يُمنح حريَّة التجريب الفردي المحدود النتائج، بل لأن الذي يقع (وطن) بكامله، بكل هذا المعنى الهائل المتسع للكلمة.
وهذا المعنى الهائل المُتسع هو الذي يعطي تقرير المصير فرصة إضافيَّة، بل فرصاً للتفكير والبحث والنظر إلى أبعد النقاط التي يمكن أن تصل إليها خطَّة المسير، وأبعد النقاط التي يمكن أن تصل لها الطرق الضالَّة عن خطَّة المسير، والأخرى المتشعبَّة عنها اضطرارا، لكي يمكن أن نقول على الأقلِّ: إنـَّنا نستحق أن نقرِّر المصير، وأن نجرَّ العربة المحمَّلة بالوطن وأناسه نحو النهاية السعيدة المأمولة في آخر الأمر.
ولأجل هذا كان ينجح البعض فيما يفشل البعض الآخر، لأنَّه بهذا الفرق _ بين من يجنح نحو خير الجميع وبين من يجنح نحو جمعه الخاصِّ_ تموت أممٌّ، وتحيا أخرى.
ولأنَّ التخلُّص من النزوع نحو خير الذات أو الجماعة الخاصَّة ليس هيِّنًا أو عابرًا فإنـَّه في جوهره هو البطولة، هو الشجاعة والنصر غير المرئي، هو السكون الذي يمنح الماء فرصة كي تبين الحقائق تحت صفحته، وكي تخرج النكسات المكدَّسة، والخيبات العالقة في قعره، ولكن.. لأنـَّه لا يشبع هواة الضجيج والمفرقعات الإعلاميَّة فإنـَّه يخرج من حساب الخيارات المقبولة.
إنعاش الذاكرة:
حينما لا نتعظ من الأخطاء التي يرويها التاريخ فإنَّنا_حتماً _ سنكرِّرها، وحين تؤشِّر المعطيات إلى نتيجة واحدة قد آلمَ الكثيرَ وقوعُها، فإنَّ مواكبة سير الأسباب إلى نتائجها المؤلمة لا يعدو أن يكون انتحارا متعمَّدًا.
لنقل إنَّ عدة معطيات هي أسئلة الاختبار الأخير الذي يمكن أن تنتهي عنده الحياة، أو يمكن أن تبدأ بحسب القدر الراجح من تقدير العواقب الذي يعبئ خانة الخيارات: كي نضع (نعم) حيث يجب، و(لا) حيث ينبغي، كي نحيا _ على أقل تقدير_، وكي نكون أبطالاً على طريقتنا حين نبلغ الدرجة النهائيَّة_على التقدير الأكثر تفاؤلاً_!
آخر دروسنا المفجعة كانت محنة العام 90م، وكانت المحنة أصلاً اختبارًا سيئًا، لأنَّ مؤدِّيه لم يقرأ كفاية دروس التاريخ، وعبث على نحوٍ مزرٍ بخانات الإجابة؛ لأنَّه صَعُب عليه أن يضع (نعم) ملائمة ومُنجية هي ضمنيًّا (لا) ضد الذات المتضخِّمة، وكان لزامًا بعد ذلك أن تتضخَّم العواقب لدرجة أن انحشرت لقمة المصيبة تلك في بلعوم التاريخ، وهو حتى هذه اللحظة يجاهد للخلاص من أعباء تلك المرحلة، ومن سواد تلك الخطايا.
وكان مُضنيًا أن تتحمَّل أمَّة بكاملها نتائج الغباوة الديكتاتوريَّة التي تضخَّمت مرآتها الوحيدة، وتمخَّضت عن صورة القائد الوحيد، ومن غرابة أن مرآة التلفاز تتمخَّض عن القائد الوحيد يلعب وحيدا فوق مسرح المحاكمة الفريدة!
إنَّ الإنسان يسعد حين يتعظ بغيره، حين يدرس الصفحات السابقة حين يقرأ الوصايا التي تركها الآخرون_عَرَضاً وبشكلٍ مجَّانيٍّ _ على جدران التاريخ، وحين نعبِّر اليوم عن حزننا لما يحدث، أو خوفنا من تكرار مآسٍ سابقة فليس ذلك لأنـَّنا نتحكَّم، أو نملي نحن نقول فقط: إنَّ درسًا جديدًا لا ينبغي أن يُفهم فوق سبورة لبنان، أو في دفاتر سوريا، لأنـَّه يكفي الدماء التي سبقت، والدموع التي ذُرفت والضحايا والمنايا المجانيَّة، وحفلات الشواء البشريَّة.
في الخطايا السياسيَّة القاتلة يحدث أحد أمرين: سوء تخطيط أو سوء توقيت، وما يحدث اليوم للبنان هي خطيئة دخيلة تجيء من اللاشيء، كان يوجع أن يقود الرئيس المنتخب_ظاهريًّا_ بلده إلى الدمار، لا نعرف_بعد _ إلى أي قدر يمكن أن يوجع أن تقود بلدًا إلى الدمار دولةٌ أخرى، أو قوًى أخرى تصفِّي حساباتها على أرضه؟! أيكون هذا نوع من تجريب أشكال التدمير والسحق التي يبدو أنـَّه قد كُتب علينا_لسذاجتنا_ أن نخوضها؟!
فتنة التصنيف:
لا تفرغ جعبة النوايا السيئة يومًا، وبالنوايا السيئة تصبح الخيارات الحسنة موضع اتهام وتشريح وتشكيك وتصنيف تخضع كلها لقناعة عدائيَّة مستقرَّة.
في أوقاتٍ كثيرة كانت خياراتنا الحسنة موضع اتهامٍ شرس فقط لأنَّنا نقع في خانة الشعب الذي لا يعي معنى المقاومة، ولا كنه الحرب، فخياراتنا الحسنة تبدو مجرَّد أوهام، وأحلام يقظة يُستنفر لتفنيدها، وإثبات عدم شرعيتها مهرِّجو المحطَّات الفضائيَّة، فإذا ثبتت نجاعتها انفضَّ سمَّار السِّرك دون أن يقول أكثرهم رشدًا: حسنًا ربما كان هذا الرأي صحيحاً!!
في الشأن السياسي ليس بالضرورة أن تخبر الحرب فعليًّا كي تنجح؛ يكفي فقط أن تحسَّ بقلبٍ سليمٍ أنَّ هلاكًا يمكن أن يكون، وأنَّ جوعًا يوشك أن يعمَّ فقط لأنَّ أحدًا ما توجعه رهاناته التي لم تكسب، وخياراته التي توشك أن تشيخ لأنـَّها لم تعد تصلح لمآلفة الواقع الجديد، وهو على استعداد مطلق لأن يوجع العالم كلَّه كي ينعش فرصه الهالكة!!
إنَّ نظام (وهل أنا إلاَّ من غزية إن غوت... غويت وإن ترشد غزية أرشد) لا يعصر للصغار حليبهم الصباحي، ولا يُظلِّل العرايا حتى بسقوف من صفيح، ولهذا لا يجب أن يكون هو النظام السائد لمجرد أنك إن لم تكنه فإنك_قطعًا _ تنطق بلسان الأعداء، وتتواطأ لمصلحتك الفردية، لأنـَّك إن لم تكن معنا فأنت معهم، وكأنـَّنا لا نملك أن نصنع خياراتنا الخاصَّة، وكأنَّنا لا يمكن أن نلقف ما خلَّفته جيوش أمِّ المهالك من آلامٍ تكفي حفنة منها أن تصنع أمصالاً ضدَّ حمَّى الشعارات ولوثتها القاتلة.
أيُّ أحدٍ يمكنه أن يبحث عن نجاح شخصي من وقوفه مع أو ضد كل ما يحدث إلا السعودية؛ لأنـَّها الوحيدة التي خلَّصت لبنان من رهانات الفرق والأحزاب التي لم يهمُّها موت الأبرياء بقدر ما كان يهمُّها تأكيد سلطتها ورفع أعلامها على جبال من جثث الموتى.
استغرقنا وقتٌ طويل كي ننهي ترتيب الفوضى، ولملمة الشظايا خلف الذين كانوا يؤثرون_بإصرار_ أن يجرِّبوا قبل أن يفكِّروا، إن كان ثمَّة حرب ينبغي خوضها فهي الحرب ضدَّ الجهل والتخلُّف والمرض، تلك العلل التي استنـزف أبطال الأمَّة المزعومون الوقت والمال والحماسة كي يضاعفوها، لكي يضمنوا قدرًا من الظلمات يكفي لتغطية عوراتهم السياسيَّة.
سهلٌ جدًّا أن تصرخ وتولول وترفع سماعة الهاتف الفضائي تجاه الأمناء العاطلين للجمعيات العتيقة الفارغة ليحدثوا_لهول فراغهم _ طرقعة مباغتة تعيد لوجودهم العدمي بعض النشوة وهم يؤكِّدون أنـَّها الحرب الحاسمة، ثم يغيبون انتظارًا لغباوة جديدة كي ينهجوا طريقتهم المعتادة، ويتلون الخطابات العتيقة التي ظلَّت تُرحَّل من هزيمة إلى أخرى!!
قد يحزُننا_قليلاً_ تصنيفنا ضمن خانة الأعداء والمتآمرين، لكن يحزننا أكثر أن الكثير ممن يضعون التصنيفات هم في جملة الضحايا المحتملين؛ لكن ما الذي يمكن فعله إذا كانت اللوحة مضيئة والعيون معتمة!!؟
جريدة الرياض الخميس 23 رجب 1427هـ _ 17 أغسطس 2006م _ العدد 13933http://www.alriyadh.com/2006/08/17/article179559.html
حميدان التركي... وما هو أبعد من الأسر!
(إنَّ الأمم تصنع تماثيل كبيرة للأشياء التي تفتقدُها أكثر) برنارد شو تعليقاً على تمثال الحرية في مدينة نيويورك!
ـــــــــــ
إنَّ فكرتنا عن الأمور تابعة للمكان الذي ننظر إليها منه، ولا يمكن أن تفلت الأفكار من حبال التصوُّرات المسبَّقة لتـتشكَّل في وسط متجرِّد تمامًا، لأنَّه أمرُ معجز: أن يمكن لشخصٍ أن ينظر إلى أمرٍ واحد من وجهيه المتقابلين؛ ثم يحكم بنزعة استثنائيَّة نحو التجرُّد والنزاهة!! ندرك جميعاً أنَّ هذا الوجه الواسع من العدالة ليس شيئاً سوى الكمال الإلهي المطلق، حيث يطلُّ القاضي على الأمور من علو، بحيث لا تلفته تلك القامات التي تعلو الأخرى!!
قد لا تكون العدالة الأرضيَّة كافية لتنقذ العالم من جنونه، وتضع المقادير الفالتة في نصابها الصحيح، لكن بقدر من موازنة الأمور، وقليل من التجرُّد يمكن أن نتوصل إلى قدر معقول من السكون، يمكن معه أن تستريح الأنفاس اللاهثة، وتعود فيه وسائد النوم إلى دورها التقليدي في الحياة: تحت الرؤوس لا فوقها.
حين أُسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت على يد مجموعة من فصائل المقاومة الفلسطينيَّة أصبح للإسار وجه جديد؛ كان الوجه السائد العادي المألوف: أن يُؤسر ألفُ فلسطيني دفعة، أن يقترح جنديٌّ أمريكيٌ_في لحظة مللٍ_ لعبة مسليَّة بأجساد بشريَّة حقيقة في سجن أبي غريب، أن تعبَّأ السجون الأمريكيَّة بالآلاف بقائمة من التهم أعلاها شأنًا: الملامح الشرقيَّة!!
ولم يكن لنا حقٌّ حتى في الاعتراض، وربما استحال الاعتراض تهمة، وغدا الرفض باللسان جناية، فقط لأنَّ القاضي يملك فكرة سابقة عنَّا، ويأخذ بعين الاعتبار مقدار قامتنا، وصفر الحيل الذي يسكن يدنا!
ولم يكن جلعاد أسيرًا بريئًا، لم يُختطف وهو يذرع خمائل (كرم أبو سالم) في سلام المُهادنين، وتأمُّل الحُجَّاج إلى الأرض المقدَّسة، بل كان هو النموذج المثالي للمعتدي: جندي، مسلَّح يقتطع أرضك، ويطأ عرضك، ويسبقك ويشتكي، وفوق ذلك تُحَلْحِل الوساطاتُ قُفلَ أسره، وتؤخذ (مظلمته) مأخذا جادًّا، ويبدو الكون كلُّه وكأنَّ لا أسير فيه إلا جلعاد، ولا عزاء لقتلى جلعاد!!
وحين اعتقل حميدان التركي المبتعث السعودي في الولايات المتحدة الأمريكيَّة كان العالم ينتظر أن تـتلو السلطات بيان الاعتقال، وكان يُنتظر_بناء على ملابسات الاعتقال غير الإنسانيَّة_ أن تكون التهمة من العيار الثقيل، وإذ بالأيام تفرج عن شبهات ملفَّقة، لا توازي جريمة اختطاف الأمن من عيون صغار حميدان..!
لحميدان (البريء)... هل يمكن أن ينظر العالم المهووس بأمنه، المفتون بفكرة مسئولية الذقن الكثة عن مشاكله كما ينظر إلى جلعاد (المعتدي)؛ حميدان المأخوذ بجناية مفصَّلة على مقاس العربي المسلم، هو واحد من آلاف هم مجرَّد ضحايا للولع بالأمن والإفراط في تنفيذ نسخ مصغرة عن الضربة الأمريكية الاستباقية في العراق، ونظرية أنَّك مدان بأيِّ شيء، حتى نثبت أنَّك مدان بالشيء المقصود، أأثبتناه الآن، أو بعد سنة، أو حتى إن لم نثبته على الإطلاق...!
لحميدان.. لا نطلب شيئًا كثيرا؛ لا يطيب لنا أن نجنزر الجنازر، ولا أن نعبئ البنادق، ولا أن تشق طائراتنا أكباد السماوات، ولا أن نساوي البيوت الفقيرة بالأرض، ولا أن نفترض أن خليَّة إرهابيَّة تختبئ بين البيوت فنلاحق الخليَّة ونهدم البيوت كي ننقذ ظفر حميدان؛ لأن البريء لا يشتري براءته من جريمة أُلبست له عنوةً بارتكاب غيرها، وحده المجرم يُحْسِن سَلْسِلة جرائمه، وبثَّها على الفضاء أمام العدالة العوراء، دون أن يستحي أن يقول: إنَّه جنديٌ قاتل.. سلاحه معبَّأ، وخنجره دامٍ.. ومع ذلك فإنَّه بريء...
مجلة اليمامة العدد 1933 _ 25/11/2006
http://www.yamamahmag.com/1933/25.html
ولا عزاء لـلرُّوح
في حصَّة مسائيَّة يحمل الضوء الخارج من النافذة صورة واضحة لرؤوس تعلو أعناقًا منتصبة، في هيئة المصمِّم على فهم شيء ما، وإتقانه وإنفاق ساعات المساء الصيفيَّة اللذيذة_برضا نادرٍ_في سبيل حيازته.
مركز الحاسوب الذي يقيم دورات مسائيَّة يبدو مقنعاً جدًّا وهو يضع إعلاناً صارخ الألوان ينذر فيه النشء، يرغِّب، ويرهِّب، ويدغدغ مخيلة المارين بالمستقبل الباهر القابع على مرمى زرٍ ناءٍ في لوحة مفاتيح الحاسوب.
يبدو كلُّ شيء مثاليًّا، بما في ذلك أرباح هذه المصلحة الهائلة التي تغري الكثيرين بامتهانها، بحيث تزداد الإعلانات عددا، وتتنافس في جهارة ألوانها وإغراءاتها للعقول المتلهفة، لكن جزءًا صغيرًا من المهمة لا يتمُّ؛ يختم الطالب شهادته، ويحصل على مواثيق مغلَّظة تفيد إتقانه واحترافه قيادة هذا الجهاز دون أن تُلحق وثيقة وحيدة تفيد أنَّه استحكم أمر أخلاقيات هذا الجهاز، أو تفيد أنـَّه_كالأطباء والجنود_قد أقسم أن يصونَ شرف هذه الحرفة التي أتقنها، والمهنة التي أنفق ساعات من عمره في إنجاز فروضها، وفهم دقائقها وأسرارها.
كيف تبدو التقنية بدون أخلاقيَّات ؟... إنَّها لا شيء سوى جيش من المرتزقة الذين يمكنهم فعل أيِّ شيء دون خجل مقابل ربح ماديٍّ طفيف، حيث لا مبادئ تحكم ولا قيم تسيِّر الأفعال أو توجِّهها!
الضمير (هو صوت الأقليَّة داخل الإنسان) والناشئ لا يفسده شيء قدر تحييد صوت أقليَّته، وإيهامه أن الجهاز الذي أمامه هو آلة مُطاوِعَة تفتح أمامه باب المستقبل بلا شروط، فينشأ ناشئُ الفتيان على توجيه هذا السلاح كيفما اتفق المهم أنْ يفتح باب المستقبل، وباب التسلية إنْ شئت، وباب التشهير والفضائح إنْ أمكن.
لا أحد_في الغالب_يجهل (ألفريد نوبل) عالم الفيزياء الذي ابتكر الديناميت مادةً كانت غايتها_كما يقول _ خدمة الحياة، والحركة، أكان (نوبل) سيهرع إلى وضع جائزة باسمه تكافئ من يخدم الإنسانيَّة لولا أن رأى ما تفعله التقنية دون روح أو ضمير ؟ أكان سيكفِّر عن ذنب الخاطئين الذين أرادوها مادة للتدمير ونسف الحياة وبتر الأقدام وتمزيق الأحشاء ؟ لا أحد يعرف إلى أين سينتهي ابتكاره، لكنَّنا على الأقل يمكن أن نوجِّه الابتكارات التي وجدت لخدمة الحياة عبر إيجاد حزمة ضوابط ، وقيم تسير مع الاختراع جنبا إلى جنب، حتَّى لا تتحمل الاختراعات الباهرة تبعات استهلاك مجرَّد من الهدف الأصيل وهو خدمة الإنسانيَّة جمعاء .
جميلٌ أن يتعلَّم الإنسان، والأجمل أن يتعلَّم بكُليَّتِه، بروحه وعقله، أن تُنبَّه حواسُّه العاملة وأن يُنبَّه ضميرُه المُوجِّه لهذه الحواس بقدر متساوٍ تحقيقا للتكامل الإنساني الذي أراده الله سبحانه وتعالى للإنسان حين جعل لكلِّ جوانب حياة الإنسان قانونًا يضبطها، ويحقِّق التوازن فيها حتى لا يتجاوز جانب منها الآخر ويطغى عليه.
إنَّ شيئاً لا يضرُّ المجتمعات قدر ما تضرُّها التقنية غير الموجَّهة، التقنية التي لا يمحِّص سلوكَ الناس فيها رصيدٌ روحي يقبل خيرها ويطرد شرَّها، وحين تغلب التقنية وتصبح الرُّوح بلا عزاء، فإنَّ المجتمع كلُّه سيغدو..... ولا عزاء له.
مجلة المتميزة العدد 37 محرم 1427هـ
مركز الحاسوب الذي يقيم دورات مسائيَّة يبدو مقنعاً جدًّا وهو يضع إعلاناً صارخ الألوان ينذر فيه النشء، يرغِّب، ويرهِّب، ويدغدغ مخيلة المارين بالمستقبل الباهر القابع على مرمى زرٍ ناءٍ في لوحة مفاتيح الحاسوب.
يبدو كلُّ شيء مثاليًّا، بما في ذلك أرباح هذه المصلحة الهائلة التي تغري الكثيرين بامتهانها، بحيث تزداد الإعلانات عددا، وتتنافس في جهارة ألوانها وإغراءاتها للعقول المتلهفة، لكن جزءًا صغيرًا من المهمة لا يتمُّ؛ يختم الطالب شهادته، ويحصل على مواثيق مغلَّظة تفيد إتقانه واحترافه قيادة هذا الجهاز دون أن تُلحق وثيقة وحيدة تفيد أنَّه استحكم أمر أخلاقيات هذا الجهاز، أو تفيد أنـَّه_كالأطباء والجنود_قد أقسم أن يصونَ شرف هذه الحرفة التي أتقنها، والمهنة التي أنفق ساعات من عمره في إنجاز فروضها، وفهم دقائقها وأسرارها.
كيف تبدو التقنية بدون أخلاقيَّات ؟... إنَّها لا شيء سوى جيش من المرتزقة الذين يمكنهم فعل أيِّ شيء دون خجل مقابل ربح ماديٍّ طفيف، حيث لا مبادئ تحكم ولا قيم تسيِّر الأفعال أو توجِّهها!
الضمير (هو صوت الأقليَّة داخل الإنسان) والناشئ لا يفسده شيء قدر تحييد صوت أقليَّته، وإيهامه أن الجهاز الذي أمامه هو آلة مُطاوِعَة تفتح أمامه باب المستقبل بلا شروط، فينشأ ناشئُ الفتيان على توجيه هذا السلاح كيفما اتفق المهم أنْ يفتح باب المستقبل، وباب التسلية إنْ شئت، وباب التشهير والفضائح إنْ أمكن.
لا أحد_في الغالب_يجهل (ألفريد نوبل) عالم الفيزياء الذي ابتكر الديناميت مادةً كانت غايتها_كما يقول _ خدمة الحياة، والحركة، أكان (نوبل) سيهرع إلى وضع جائزة باسمه تكافئ من يخدم الإنسانيَّة لولا أن رأى ما تفعله التقنية دون روح أو ضمير ؟ أكان سيكفِّر عن ذنب الخاطئين الذين أرادوها مادة للتدمير ونسف الحياة وبتر الأقدام وتمزيق الأحشاء ؟ لا أحد يعرف إلى أين سينتهي ابتكاره، لكنَّنا على الأقل يمكن أن نوجِّه الابتكارات التي وجدت لخدمة الحياة عبر إيجاد حزمة ضوابط ، وقيم تسير مع الاختراع جنبا إلى جنب، حتَّى لا تتحمل الاختراعات الباهرة تبعات استهلاك مجرَّد من الهدف الأصيل وهو خدمة الإنسانيَّة جمعاء .
جميلٌ أن يتعلَّم الإنسان، والأجمل أن يتعلَّم بكُليَّتِه، بروحه وعقله، أن تُنبَّه حواسُّه العاملة وأن يُنبَّه ضميرُه المُوجِّه لهذه الحواس بقدر متساوٍ تحقيقا للتكامل الإنساني الذي أراده الله سبحانه وتعالى للإنسان حين جعل لكلِّ جوانب حياة الإنسان قانونًا يضبطها، ويحقِّق التوازن فيها حتى لا يتجاوز جانب منها الآخر ويطغى عليه.
إنَّ شيئاً لا يضرُّ المجتمعات قدر ما تضرُّها التقنية غير الموجَّهة، التقنية التي لا يمحِّص سلوكَ الناس فيها رصيدٌ روحي يقبل خيرها ويطرد شرَّها، وحين تغلب التقنية وتصبح الرُّوح بلا عزاء، فإنَّ المجتمع كلُّه سيغدو..... ولا عزاء له.
مجلة المتميزة العدد 37 محرم 1427هـ
هـــذه اللَّـحـظـة!!
مثالاً على الصمت الذي يغدو أبلغ من الكلام تأتي فقرة تلفزيونية عابرة نقيَّة لا تقول في الظاهر شيئًا وهي في حقيقتها تقول كلَّ شيء، في (العالم هذه اللحظة) تأتي فاصلة هادئة تسمح لنا أن نصمت قليلا بين خضمٍّ من جملٍ الصراخ.
لم يبدُ يومًا أن مسألة (الأحوال الجويَّة) يمكن أن تكون مسألة ذات بالٍ إلا لمن كان على وشك سفر يُحتمل أن تعطِّله أجواء عاصفة، أو لمن يتلهف كي يشاهد نشرة الأخبار فيتسمَّر عند النشرة الجويَّة كما لو كانت شيئًا لا مفرَّ منه، قهريًّا ولازمًا وغير ضروري!! كان ينبغي أن يتلاعب أحد بفكرة عرض الطقس كي تكون _وعلى نحو غير مسبوق_ برنامجًا مفضَّلاً يستحقُّ الانتظار، كي تؤخذ مأخذا جادًا، أو أن تكون موضوعًا ذا مغزى لشخص لا علاقة له بفكرة الأرصاد الجوية إلا حين يتورَّط في مسألة بدء الحديث مع شخص غريب؛ فيفتتح حواره بمسألة: (طقس اليوم) الرتيبة.
في العالم (هذه اللحظة) تبدو مسألة الأحوال الجوية أبعد بكثير من المتاع الطقسي الذي يعبئه البرنامج القصير في فراغ ما بين البرنامج السابق ونشرة الأخبار على قناة العربيَّة، لأنَّه_بالضبط_هذه (اللحظة) ليس الأمس البائت، وليس الغد المحتمل، ليس الصور الجوية التي تلتقطها الأقمار الصناعيَّة، حيث تشبه السحب فيها وجه جنين تتلصص عليه الأشعة، أو حيث يغدو وجه العالم مرقَّعا بأسهم فاقعة، وملطَّخًا بسحابات سيئة الصنع، إنَّه مجرد اختلاسة تطوى فيها المسافات، وتترك المدن على سجيتها، والعابرون على هوى خطواتهم العشوائية، تسكن تفاصيل الطقس_حيَّةً_ فوق وجوههم: الشمس الساطعة، رذاذ الصباح، ندف الثلج، وعصف الرياح، هي لحظة اختصار العالم الذي تتعب كلُّ القنوات في ملاحقته، وفرز أخباره: سياسة، اقتصاد، رياضة، إنَّه الوجود العادي الهادئ التلقائي المجرَّد، هو جذاذة من المتعة القصيرة قبل أن يتلوى العالم في صور الفضاء الدموية، دون أن تتحوصل فكرتنا عن العالم في نطاقات استوديوهات الأخبار، وحدود شريط الأخبار، والشريط الذي يعلوه للأسهم، وأحياناً في البقعة التي تذكرنا بالحصرية: ونحن لا نعلم أنحن المحصورون في الفقرة الحصرية، أم هي المحصورة في فلك فهمنا، أم أننا وإياها محصورون في مكعب اللعبة السياسيَّة الكبيرة؟
في (العالم هذه اللحظة) تأتي الحياة على طبيعتها، ويتضح_بجلاء_ كم نحن يائسون كي نتأمل الصور النظيفة للعالم؛ حيث لا تأتي سوى المدن الحسناء وتأسرنا تفاصيلها: حيث لا زحام، لا نفايات تعصف بها الريح، لا دماء توحي بالجثث العابرة، تنتقي الكاميرا لحظات المدن من أطراف العالم البعيدة، وكأن الفقرة تأهيل ضروري للمشاهد، وتذكير بأن في العالم أشياء جميلة ونظيفة، وأن مدننا المشوهة بالدماء والدخان والزحام ليست هي الوجه الوحيد للكرة الأرضيَّة، وأن الكاميرا رغم كل ما يقال عن الديموقراطيَّة والمساواة لا يمكن أن تكون منحازة إلاَّ للجمال!!
مجلة اليمامة
الحِـــــــــــــوارُ
(بــوَّابــة العــهــد الجــديــد)
(بــوَّابــة العــهــد الجــديــد)
(إنَّنا في هذا الوطن الحبيب لم نحقِّق ما حقَّقناه من أمن وأمان ورخاء ورفاه إلاَّ بفضل العقيدة الإسلامية ثم بفضل تمسُّكنا بوحدة هذا الوطن وإيماننا بالمساواة بين أبنائه، وإنَّ أيَّ حوار مثمر لا بد أنْ ينطلق من هاتين الركيزتين ويعمل على تقوية التمسك بهما فلا حياة لنا إلاَّ بالإسلام ولا عزة لنا إلاَّ بوحدة الوطن).
الملك عبد الله بن عبد العزيز
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد سنواتٍ من الآن ستظهر جدوى المركزيَّة التي يحظى بها الحوار اليوم، وستتجلَّى قيمة نقله من خانة المواربة في العلاقة بين الأطياف إلى سمة الجوهريَّة في نشاطات الحياة المختلفة.
إنَّ رداء الأهميَّة القُصْوى الذي خلعته الدولة على الحوار منذ سنوات قريبة، وتبنَّاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز – حفظه الله _ أسلوبًا لإدارة الدولة لا يخضع لمفهوم التنازلات التي تُظهرها جهة ما، أو فئة بعينها بقدر كونه وعيًا، وثقة بأنَّ ما قد يقوله الآخر المقابل على طاولة التحاور ليس بالضرورة قاتلاً أو مؤذيًّا، بلَّ لعله الأقدر على إكساب الجهة المقابلة قوَّتها، بتصحيح المفاهيم، وإزالة الغشاوات، وردم خنادق الخلاف التي تقطع الطريق على التواصل المُثْري.
إنَّ هذا التأكيد لقيمة الحوار الذي يظهر في أحاديث المليك عبد الله بن عبد العزيز ليس مجرَّد تجريب غير معلوم النتائج، أو ضرب من التصادم مع مجهولٍ بقدر كونه حدساً تهيِّئه القراءة المتفهِّمة لمعطيات المرحلة، والتواصل المثمر مع دروس الماضي؛ فالتحاور جوهريٌّ لا لأنَّه قيمة شكليَّة يتزيَّن بها الحاكم ليبدو أكثر ديموقراطيَّة وعصريَّة وانفتاحا بل لأنَّه إدراك عميق يؤمِن بأنَّ النصيحة موجودة كي نبذلها، وبأنَّ النقص موجود كي يكتمل في صورة تمام، وبأنَّ الخطأ موجود كي يحقِّق الصواب ظهوره على حسابه، وبأنَّ الصواب المُطلق غير موجود بل توجد خانة قريبة من الصواب، وهي خانة لا يمكن أنْ ينجزها طرف واحد، ولا شخص واحد، ولا فئة واحدة كما أنَّ القدم الواحدة لا يمكن أنْ تنجز أكثر من خطوة واحدة، ونحن – في هذا الوطن _ ننظر بعينين متفائلتين إلى مستقبلٍ من آلاف الخطوات.
تقول أودينا هولمس: ( كلَّما أحسسنا ذواتنا أفضل، انتفت الحاجة إلى أن نلغي الآخرين من حولنا )، إنَّ الحوار –وحده_هو الأقدر على الوصول بالإنسان إلى أقصى إمكانات نضجه الفكري والروحي؛ فهو الذي يلغي الصوت الأحادي المسيطر، وهو الذي يؤمِّن السقف العالي من الثقة بالنفس الذي يتعزَّز ويعلو بوجود الآخرين لا بإلغائهم، ولو كانت الثقة تتعزَّز بهذا الإلغاء لما كان خليفة راشد بحجم أبي بكرٍ الصدِّيق ( رضي الله عنه ) يتَّجه إلى الناس، ويرخي ظلَّ سمعه إلى نصحهم، ويتمنَّى عليهم أنْ يصوِّبوه إنْ نزح إلى باطلٍ في يوم ما، وليس الصدِّيق كأحدٍ منَّا اليوم، ولسْنا بمعزل عن زللٍ تقوِّمه مرآة صادقة يرفعها طرفٌ آخر في جلسة حوار حضاري.
إنَّ الفكرة الصحيحة تستمِّد مزيدا من الصحَّة والقبول بكونها فكرة قابلة للنقاش، ومعروضة للنقد، ومن هنا كان انطلاق صنَّاع القرار في هذا العهد الجديد _بقيادة الملك عبد الله _ نحو تأصيل الحوار، وتحويله من آلية واجبة ربَّما لا يستسيغها البعض إلى أسلوب حياة ومنهج عيش وتعايش، فهو قبل كلِّ شيء نهج إسلامي؛ فالإسلام كان الداعي الأوَّل إلى فكرة الشورى، وإلى التمحيص قبل القبول، والاقتناع اليقيني قبل الجزم، واختبار الآراء قبل العمل.
إنَّ صمود الأمم هو نتيجة حتميَّة لقدرتها على التكيُّف مع التغيُّرات المختلفة، و إلاَّ فإن المعاكسة والتصلُّب في الرأي هما طريق الفناء، والحوار_بلا جدال_هو قطب رحى التغيير المدروس والمأمول الذي سوف ينقلنا نحو المستقبل؛ ففيه ستعبِّر كلُّ الفئات عن حاجاتها، وستطوَّع أجهزة الدولة لخدمة هذه الحاجات، وستتجدَّد الأجهزة العضوية لجسد البلاد فتقاوم شيخوخة الجمود، والعجز.
لربما كان بريخت جازمًا حين قال: ( حين يفرغ الحاكمون من كلامهم، سوف يتكلَّم المحكومون) ولكنَّنا أكثر جزمًا حين نقول بأنَّنا نمتلك وطنًا فريدًا حيث لا أحد يصمت كي يتكلَّم الآخر، ولا أحد يسلب حقَّ من كان في الحديث، أو التعبير، لكنَّنا نتبادل أدوار الكلام، ونتقاسم الحق في طرق القضايا الكبيرة والصغيرة بقدر متساوٍ من الحريَّة والشفافيَّة، إنَّنا حيث يستمع طرف للآخر كي يجد مادة كلامه القادمة، وكي تعود للكلام صورته التبادليَّة الجميلة الفاعلة، الصورة التي ينجز بها المجتمع المتحضِّر فروض نهضته المرتجاة.
مجلَّة اليمامة العدد 1883 تاريخ 24 شوال 1426هـ