2008/11/05

[][][] إصداراتـْـ [][][]

خيطُ ضوءٍ يستدقُّ
المجموعة الأولى
صدرت في عمَّان 1425هـ ـ 2004م
محتويات المجموعة:خيطُ ضوءٍ يسْتدِقُّ.. أو جريد..!؟
كنت فقط أتساءل: كيف يمكنها جدل الجريد، و ترتيب هذا النسيج وهي لا تراه، وقتَ كنت أصغر كنت أتعمَّد أن أنحشر في حجرها فيما يداها تحضناني وتمتدان للجريد، وأنا أنقِّب بعيني الجائعتين في صفحتي عينيها الرماديتين عن بؤبؤٍ نافع يبرر عملها المتقن.. ولا أفلح في شيء سوى الاستمتاع بهزِّها فخذيها وأنا هناك.
لا تنبس يداها في الضحويَّات الواسعة سوى عن هتاف أصابعها بتسبيحٍ دافئ، أو اخضرار باهت ينساب بين بلح يديها المخضَّبتين.. يمتدُّ جدائلَ عريضة تُخاتلها شرائط الكتَّان الجهيرة الألوان بحيث لا يبدو الجريد متوحِّدا تحت الضوء، و إذا استطالت الجدائل بقدر كافٍ عادت تعقِصُها دوائر ملولبة مُتحاضنة يُنشب رأس السُفلى في قعر العُليا مخلبٌ من جريد حادٍّ، و هكذا حتى تناديني لأحمل نتاج الضُحى: سفرة أنيقة من الجريد.. كلُّ هذا و هي لا ترى، تنبس يداها سُفرا تكفي الحيَّ كلَّه، و تنبس شفة حيرتي وأنا أرقب الدوائر، في إحدى حيراتي تلك سألتها كيف حدث وفقدت بصرها، قالت: إنها أحست به يتضاءل.. ينقبض كالضوء المُغادر، و في ذلك الوقت لا يمكن أن يجزم أحدٌ بحلٍّ ناجع، كانت أبصارهم تذهب جملة، و خيط الضوء الذي يستدقُّ مع الوقت ينفلت فجأة من فضائهم لتسكنهم دكنة خليطة الملامح، وببساطة يصبحون عميانا.. هي تعرف أن لا شيء يعنيني هنا سوى جريدها، تتعمَّد أن تبالغ في مهارتها، و أنا أطوف بإصبعي على الدوائر الناتجة، المتقنة، حيث تموت الحوافُّ، و تدفن البداية رأسها في رمل النهاية، قالت أخيرًا: إنها لا يمكن أن تفقد الإحساس بالجريد، حيث يكون هو كلَّ شيء؛ حين استدقَّ ضوءها، كان ينحسرُ عن سماء تتكشَّف بين جريد يتقاطع، عن مدى لا متناهٍ من الأخضر، عن خيوط النخل المكوَّمة في فسحة الدار حيث كانت يدا جدَّتها تنشئان السفر الأنيقة ذاتها، و هي تمرِّرُ يدين غضَّتين، و تنقش في صفحتها البيضاء هذا الطريق السحري نحو الدوائر..
لا تخطئ اليدان طريقهما نحو خضرة الذاكرة حيث لا ينطفئ الجريد منذ عقود، و حيث تمدُّه ـ و يحيِّرني ـ تمدُّ سماءها الواسعة، تفتح المدى الذي انغلق بظلمة قديمة، اليوم لا أعود أبدًا لسؤالها، أرقب جدتي تجلس في صدر مجلسنا، تمدُّ الجريد، وتسرح في أفقٍ أخضر لا نراه..
تمثيلٌ إيمائي
ظلَّ منحنيًا لوقتٍ طويلٍ في انتظار التصفيق.. قبل أن تضيء الصالة على جمهور من العُميان..!!
تواشُج
لم تكن تلك عادة، ولم نكن لنريدها عادةً، شأن تلك الأشياء المقيتة التي تهترئ وتقدُم، لنقول بسهولة: أفٍّ.. ما أبغضها! أكنا نفعلها يومًا!؟
كنا نجيء بمحض شوق، لهفة تجرُّنا نحو موسمها، دون تقدير سابق، في المكان نفسه لكن بشعور متجدد مندهش كلَّ مرة.. هنا لا تزال رائحة الشتاء حيَّة؛ فربيع الصحاري ابن قصير العمر لزمهرير نجد، يسهل به خداع أرباب البراري، وإيهامهم بفصول يمكن تمييزها، وفرزها.
في هذه البقعة المنخفضة المجاورة للجبل كنا نقيم، كالمرَّة الأولى، ولحظة يمسُّ شِقُّ الأفق العريض طرفَ الشمس قبل أن تنطفئ، وتنسلُّ من بين أضراس النهار للعالم الذي يسكن جيب الأرض المقابل، لحظة تنبسط الظلمة لأعين المساء التي تتراصُّ ويمرِّرها انتظارنا كحبَّات مسبحة، يطلُّ.. بذات الهيئة: قامة واسعة، عباءة متوحِّشة، وعصا يرجُّ بها الهواء، ويفتش عن الذرَّة الأنقى من الوقت لزرع الحكاية، بهدوء مدهش، يصحب الأرواح المائلة إليه تجاه القمر الخافت، ويجزُّ صوف الحكاية القديمة...
المرَّة الأولى كانت منذ ربيعين، حين أشار بإصبعٍ متين صلب: هناك..
ـ ماتت هناك؟
ـ نعم، دحرجوها من رأس الجبل وظلَّت الغربان تأكل جثتها سبعة وسبعين يومًا، حكوا كثيرًا عن تجددها، وقالوا إنَّ عجوزاً دعت في ذلك اليوم بأن تشبع منها الغربان هذا القدر من الأيام، وبعد أمد حكى البعض أنه رآها تمشي في الجوار، كان كلُّ واحدٍ منا يلعق خوفه، ويحسُّ دبيب يدٍ خفيَّة تتسلل إليه في الظلـمة…
ـ كانت أجمل منه.. هذا البدر.. كانت أجمل، وتحفظ الشعر، تصنع هنا دائرة أيضًا كان شواظُ الشوق يُنبت النار المستديرة، والجموع التي تستدير، وتتكاثر في الزمن المنبسط، حدَّثتهم كثيراً عن جنون قيس، وجميل، ووضَّاح.. اسمعوا هذه التأوُّهات، إنَّها هنا، تعرف أنَّني أقترض سيرتها: فتاة الجانِّ التي أنجبتها (نايفة) وقذفتها القرية للصحراء،كانوا يقسمون أن عُشَّتها التي ابتنتها خارج القريَّة يغشاها الذهب، فأعمامها من الجانِّ ظلُّوا يعتنون بها، وهي تظلُّ تفتن الأرجاء، يلحقون برائحتها أينمـا نبتت..
غاب بعدها في الظلام، ونحن يفترسنا الصيف، يُناسل أيامه على جباهنا، تطير ساعاته لهاثًا، و ينفتق على الأصداغ بحيرات ملح..
الربيع التالي.. كان حجر الأمنيات الأوَّل قد تأسس في كلٍّ منا، يتَّسع ويتكاثر، الجنيَّة التي كان كلٌّ منا يتوهَّمها تلامس كتفه، كانت تتربَّع في أحلامنا، بصفة ما، ولذا نقبل كلَّ شتاء بكلِّ اللهفة، هذه الحكاية التي لم تنتهِ تأسرنا بشكل ما، "جنيَّة"، "ساحرة" شيء خرافي مبهج، وغير مألوف.. هذا هو الشيء الذي يمكنه ملء جعبة الربيع الفارغة عن آخرها، كلُّنا يحمِل نصيبه من الوهم والخيالات، والغريب أننا بعد أن نستقلَّ الطريق المعبَّد لا نتحدَّث بشأنها، يبدو الأمر لوهلة كما لو كان سرًّا يقذفه ذلك الكائن الصحراوي المتوحِّش في أذن كلٍّ منا على حده، كنا نمارس خديعة الاحتكار، و أنانيَّة الأحلام ، الشيء الوحيد الذي نلتقي عنده، أننا في الربيع القادم، سنعود.. أكيد أننا سنعود إليه حيث يصلب النصَّ، والشوق، والحكايات الطريَّة على أعمدة الانتظار التي يعدُّها الصيف في داخلنا، وبلهفةٍ نشتاق فصلاً جديدًا.. نشتاق النهاية البعيدة ونظلُّ نسأل: أينها؟؟ أتقيم بالجوار؟؟ أوَ تشيخ الجنيَّات أم لا تزال بعدُ صبيَّة فاتنة، ننتظر وعيوننا معلَّقة: واحدة على السماء حيث الغيم يتراكب، وواحدة على عصاه بأملِ أن تفلق الصخر عن رائحة تبيتُ منذ قرون.. حدَّثنا عن عُشَّاقها الذين وجدوا معلَّقين موتى على سدرة عملاقة في طرف الصحراء، حرَّاسها الذين لا يُطيقون البشر، يجزُّون حناجرهم، ويعلِّقونهم على السدرة، يتركونهم للذئاب العاوية، وللزمهرير، والريح..
ربيعٌ تالٍ، ثالثٌ/ثابتٌ ربما.. بل ليت، ابتنينا ذات الدائرة، حول شواظ متناثر إلى الأعلى يقذفه السَمر المتوهِّج في عيوننا، كلُّنا يأمل أن يأتي، كلُّنا يتقوقع على أمنيته يدفئها بالنار، يضمُّ ركبتيه إلى صدره ويسند رأسه إلى جسر معقود من ذراعين، ووجهه إلى مكان الراوي، ذاك الذي استطال غيابه، نزح أوَّل الليل، تمدَّد أوسطه بيننا، ولم يجئْ، غاب آخره الحالك/القارس فيما الفجر الأزرق يرتِّب الطريق للشمس، ولم يبنْ، أقفل دائرة من الأسئلة حولنا: ربما لم يستطع الليلة، قد يعود في المساء التـالي.. وقد.. احتمالات واسعة أنهت الربيع القصير، سقف بيت الأحلام الذي ظنَّ كلٌّ منا أنه يختلسه من صاحبه لم يُبن بعد، انتهى بنا الأمر بيوتاً دون سقوف.. عارية لوابلٍ هائل من الأسئلة، وهو لمَّا يجئْ، لمَّا يقصُّ بعد أكانت حقًّا تحبُّ بني الإنس؟ أتشتاق لخؤولتها؟ لبني نصفها المرئي، أيسحبها هذا الوشيج إليها كمـا نحن؟؟
أطفأنا آخر نار في ذلك الربيع، والفجر يلامس الأفق، لم يجئْ، كنَّا نهمُّ بالنهوض حين انتبه كلٌّ منا إلى جواره، كان الرمل يرسم علامة تشبه الأثر: خطى صغيرة مبدَّدة بخطوط دقيقة في الرمل كما الزراكش، كان هذا الأثر يصنع دائرة حول كلٍّ منا، و يجتمع في نهاية دائرتنا الواسعة إلى أثر واحد يختفي تحت سفح الجبل، وفي أعلاه.. هو.. يشير:
ـ هناك..
على السفح المقابل ـ حيث أشار ـ كانت تنعق الغربان..
مَلَل..!!
أذكر أنَّ الأشياء التي رتبتها لعقلي قد استعارتها الجارة لتمنح ضحويَّتها نكهة خاصة، وتركتني وعقلي.. يجرِّب أحدنا تقليد بكاء الآخر وقت الملل!!
قبضة ماء
خيطُ الماءِ الذي تمادى هُطُولاً كلَّ الصيف ابتنى دائرة منخفضة من بلاط الشرفة.. ظلَّ الماء الذي يرشق خفيفا يُذيب السخونة في ممرِّ الهطل بدءًا من الحافة السفلى للشرفة التي تعلو شرفتي حتَّى أرضيَّتي ذات النقش غير المتماثل.
يعلو سقف ضوضاء حميمة في تلك الدائرة بعد كلِّ ظهيرة حيث تقطر الثياب ماءها في الشرفة الحجريَّة، و تنسرب في المزراب المعدني، يتجلَّد الفضاء المحيط، ويتكاثف قبل أن تثقل القطرة عن احتمال الالتصاق، فتنفجر فوق سطحي مُنبتةً بحيرة ضئيلة في الظلِّ المهجور..
بالماء تنتشر الحياة في وقت لم أكن أعرف خلاله سوى ذرع الجدران بانتظار ذوبان الظهيرة المملَّة، وأنا محاصرٌ داخل شقتي التي تستلقي تحت شقَّة جارتنا العربيَّة العجوز التي دأبت منذ سكنتْ على مدِّ غسيلها فوق حبلٍ موازٍ لأصص الورد المتراصَّة على سور الشرفة الصغيرة.
قبل أشهر قليلة اكتشف حمام الحي هذا الظلَّ البارد، تمدد ريشٌ ناعمٌ تحت رشح الماء، وصارت الحكايات تنبت أمــامي.. الوقت الذي بدا ممتدًّا كظلِّ الغروب تآكل وانتهى تحت شمس حيَّة عموديَّة.
لا يوجد أمام جسد مرتخٍ فوق عجلتين، ومقعد جلديٍّ وثير الكثير ليفعله، استطالة أمد الفعل يجلب نُعاس الملل للأشياء: القراءة، شيزوفرينيا الدومينو حين أجد نفسي منحازا لظلِّي المقابل (الحرِّ الذي يمشي ويتقلَّب كالبهلوانات)، اللعبة الإلكترونيَّة، جهاز التحكم عن بعد.. كان الملل يقرض كلَّ شيء.. لكنَّ الحمام له حكايات لا تُملُّ: حين تشقُّ المناقير قشرة الماء، و تلتمع العيون الصغيرة بالرواء بعد أن يقرقر الماء خفيفا في العنق الطريِّ تلك الحكاية الأبهج، يعقبه سكون ورضى، ويصدف أن ألمح زوجين مطوَّقين يتعانقان فيما يهدلان بفتنة الصوت الشجي الرخيم.
كانت الشرفة اختراعا هائلا وقتَ استلذاذي مسْرَحَة الفضاء المقابل، وزمَّ طرفي الأثير كشقَّي ستارة فيما يلعب الحمام الدور الرئيس، راقصًا في حمأة القائلة على نقط الماء الرتيب.
يومان وأنا أفقد هذا الهديل، أسترقُ السمع من وراء الستارة لكن الهدوء الغامض يقذف في روعي أجنَّة شكٍّ ترعرعت حين استطال أمد الغياب..
حين اقتربت أكثر للمرتع المعهود كانت البحيرة تتآكل، تقصُّ أطرافها شمسٌ غائلة حيث لا مزوِّد يرشح في الجوار، لا سقَّاء يجلجل في حي الحمام، كان هديرُ غسَّالة أوتوماتيكيَّة مُتسرِّبٌ من الأعلى يطبق بيديه على عنق الحكايات…
صيفٌ خاص
بلَّلَ أطراف عقله (حيث يصطخب صيفٌ في الجوار ) بذكرياتٍ باردة، شبَّت أعاصير تنهُّـداتٍ حين اصطدمت الجبـهتان..
خدعة
استمرَّت بخداعنا في شأن الأحلام، ونحن نصدِّق، ونلفلف أغطية نومنا سريعًا، كي لا تراها، واليومَ نضحك ضحكة واسعة..
البُنيَّات السبع اليافعات اللواتي يرقدن في غرفة متطاولة تشبه عنابر المستشفيات، يصعُب أن تقنعهنَّ في الصباحات الكسولة أن يجمعن أغطيتهنَّ، ووسائدهنَّ، و يرتبنها في زاوية الغرفة..
حين احتالت "نائلة" تلك الحيلة كنَّا لا نمسك بشيء له قيمة سوى الحلم، سوى فانتازيا الليل، وترتيب الحياة ذات التفاصيل الصغيرة بنحوٍ يشبه حياكة أثواب الدمى: ألوان، و زراكش..
أرعبتنا ذات نهار حين قالت: إنَّ شيئاً داخليًّا مثل الإلهام يجعلها تقرأ أماكن نومنا ـ نحن الصغيرات ـ وإنَّ الأغطية المتعركشة، والثنيات العفوية التي نخلِّفها دون ترتيب ستخبرها بمن كنا نحلم، و بالأشياء التي كنا نفعلها هناك في طبقات أحلامنا العليا، ظللنا نتهامس وقتا.. أيمكن أن تحكي لها الثنيات التي نحدثها برُفاسنا الليلي، و بتقلُّبنا من أوَّل الغرفة إلى آخرها شيئًا.. عن كيف.. أو بمن كنَّا نحلم ؟؟
"نائلة" ابنة البراري التي استقرَّت في حارتنا، وأذهلت الجميع برواياتٍ آسرة عن أبيها قارئ الأثر.. أيمكن أن تكون قد ورثت عنه هذه الحنكة؟ من يدري.. لكنَّ عينيها الشهلاوين تفصحان عن شيء لا نفهمه، وإذا تركنا الأغطية على حالتها الليلية المتشوِّكة، الوسائد على بعثرتها التي يبدو أنها لا تعني شيئا فإن "نائلة" قد تفهم..
كانت أمِّي قد انتهت من شأن ترتيب الأغطية والوسائد منذ آخر مرَّة زارتنا فيها نائلة، و بعدها بقليل انتهت من شأن غسل الصحون؛ فـ "نائلة" التي حملقت وقتًا في صحوننا، وتفرَّست في الخطوط التي تتركها أصابعنا على المرَق الكثيف فوقها، لم تترك طرفاً من نهارٍ كسول دون أن تشغله بحملقتها.. الخادعة..
نفاق
حين اشتعل الممرُّ بقطيع النمل العابر بعد ضمور الشتاء، أدرك أن عامًا عريضًا مرَّ دون أن ينبت وجهه الذي حلَقَـه الصيف الفائت!
ظِلٌّ مُنكَّس
المنعطفات المميَّزة في طريق الكلام، تلك التي لا يخطِئُها السمع مهما حاول صاحبها تذويبها في اللهجة الآنية هي التي جرَّتنا للحديث الأمضِّ.
كان يطرق حارات "عمَّان" كلَّ ظهيرة، ينبِّه البيوت الحجريَّة بصياحٍ خليط، غايته أن يروِّج لعرانيس ذرة ناضجة في قدر عربته الخضراء المائلة إلى جهة.. حين يعلو صوته مُدلِّلاً العرانيس يذوب في ندائه، و تغيب اللهجة الآنية.. الصوت المشذَّب على رؤوس نخل السواد يفضح صُفرةً نضجت منذ حين..
حين يسلك إيابه قبل تلاشي النهار، تلاحقه الشمس، وترسم في طريقه ظِلاًّ منكَّسا، يركله وهو بعدُ لا يعرف: آلضوءُ يبحر في ماء معلول بالنكوص، أم هـو ظِلُّه الذي عشي عن ضـوئه؟؟
واحدٌ من القوافل التي تقطع يباب الأنبار، القوافل التي تعرف أن ليس ثمَّة أمكنة يمكن أن تجزم بحظٍّ وافرٍ معها: تهرب من مكان يعد بالموت، فإذا هي في مكانٍ لا يعدُ بشيء، تحتمل القلَّة طمعا في انفراجٍ.. ما ، فإذا المساء يطويها على الجوع كما قطط شاردة.
يقولون: إنه لا يمكن للرجل أن يخفي كونه عاشقا، وأصعب إمكانًا أن يخفي كونه مصابًا في مقتل وجوده، الغرباء لا يمكنهم أن يخفوا ملامحهم المنسدلة، أتراهم يظلُّون مشدودين إلى أرضٍ حاضرة، وهم في حال اشتياق لأخرى تقع في جوار بعيد، أوقريب؟ أم تراهم يتماثلون للشفاء من بقعتهم باستمرار ملاحقة غيرها، بتجريب الإحساس بكثرةٍ تبعد الفرادة: هناك أراضٍ كثيرة لِمَ تشغلك واحدة فحسب؟!
(......)
(أَتعرف كيف يكون شعورك حين يغدو كلُّ ما يمتُّ بصلةٍ إليك منكَّسًا؟ مشدوداً إلى الجهة الضالَّة؟ خذ مثلاً: أنا مهندسٌ معماري، أَتعرف الأشياء التي هي من صميمي؟؟ الأشياء المضبوطة، المقاسات المتعادلة، الانحرافات الموزونة بالعِدد الهندسيَّة، لكنَّ كلَّ ما يمتُّ بصلةٍ إليَّ يميل الآن جهة التداعي، نهرٌ ضالٌّ عن ريقنا الظامئ، نعشى عن جهة الماء و هي تثرُّ أسفل منا، تكنسنا إلى مصيرنا المزعوم جحافلٌ بلغة زرقاء، في مدنٍ كانت تجدل ضفائر الأبجديَّة، يعهد بنا الليل إلى نهار مبدوء بعربة مائلة إلى جهة، و يسلمنا النهار إلى ليلٍ يلغط بأمنيات لا تجود، نحارب كيمياء عاطلة القياسات لا تنفك تحدث أثرًا دائمًا غير مرغوب، أتظنني سأسحب هذه الملامح المنسدلة في يوم من الأيام إلى أعلى؟ أم إنها جزءٌ من الأثر الدائم الذي لا يمكن محوه..؟؟ )
ظلُّه المنكَّس يقاسمه حيرته، يتأبَّط ـ كما صاحبه ـ المشكل الذي لا يُفسَّر، المشكل الذي يُفلت سقف المأساة، ليرتفع مسافات هائلة عن آخر مرَّة ظهرت فيها مأساة مثالية، وكاملة، عن آخر مرَّة صُفـَّت فيها كلمات مواساة تمسح الإحساس الآثم بالعجز الذي يركب الجميع.. حين يكثر الحائرون تبدو مساقات الكلام الجاهزة تلك لغطاً هم عنه في غنى، آثرت أن ألزم جهة الصمت في كلِّ مرَّة يتحدَّث فيها إليَّ، أتركه يأتي بكلِّ شيء في بلاغة كاملة: حيرته الكاملة، ألمه الكامل، الفوضى الكاملة في الجوار.. وحين يستغرق.. أظلُّ أنا أرقب سقف المأساة الذي يرتفع بجنون، أرقب كلماتي التي تلحقه، ولا تصل!! أعود و إياها إلى البيت، بوجهين يمدَّان ملامح منسدلة، و فجأة في منتصف الطريق ألمح كلماتي تركل ظلَّها المنكَّس!!
ثلاث
تخاطُر
وهو يوغلُ النظرَ في حرائق روما الممدَّدة على جدار القصر الروماني العريق… كان دينارٌ وحيدٌ بائس في جيبه يخلعُ صورة نيرون .
جراحة تجميليَّة
( أبريل.. آه يا أبريل امنحني هذا السرير، وهذه المشارط أنا الخبر البشع، أنا صفحة مؤثَّثة بالدمامل ، أنا حكاية تتفاءل بالكذب الذي يتقتَّر)
كان الوقت مكتظًّا بالحادثات البشعة، كلُّ الحكايات تُنشب طرفها في عربة أبريل، و أبريل يخلعها.. لا احتمال للكذبات، لا وجه للمزاح، إنها سحنة حقيقيَّة بشعة..
I
ابنك مات… هه.. تنتظر بقيَّة الخبر، إنه أبريل هيا..
ـ سيِّدتي: متى ستستلمين الجثة ؟؟
ـ أليس هذا أبريل؟
ـ بلى، لكنني لا أجيد صنع الكذبات..
II
ـ أتعرف هذه البلاد؟
ـ نعم، بلادي..
– حسنا لم تعد كذلك ..!!
– أبريل! صح ؟
ـ لا، احتلال .. تحتاج لهويَّة جديدة قف في الصف لو سمحت..
ألف نكبة .. ونكبة
شهرزاد "مدوَّرة".. تروي حكاية الإلهاء، تمدُّ العظـامَ .. تهيئ الجماجمَ.. ترتِّب أمشاطَ الأصابع.. بشكل مفروج نسبيا يتقي الشمس.. ولا يتقي.. شهرزاد تكتب هيروغليفيَّة على طين السواد، والعالم ينفخ رئة ألفيَّة واعدة: شهريار متمدِّن بربطة عنق و بدلة أنيقة يجرُّ شهرزاد من شعرها إلى النهر الناعم و أعين خلفيَّة "زرقاء " تعاين: أي الشهرزادات أقرب بعد أن تتنفَّس شهرزادُ حرفها الأخير!
مثلَّجات
عندما دخلت كانت أرضيَّـةٌ من الباركيه الفاخر تُصدر تحت ضغط حذائي أزيزاً خافتاً، يبدو المكان متمدِّناً جدًّا، ونظيفًا، وعدا رائحة البخور فإن كلَّ شيء هنا لا يوحي بشرقيَّة الموقع .. نجديَّته بشكلٍ دقيق..
لفت نظري اسم المكان المشغول بالبرونز المطوَّع (Cygne) هذه غاية مثالية: جسدٌ منحوتٌ كما "البجعة"، من يمكنه أن يُوقف طوفان الحالمات ؟؟
أخذت مكاني على إحدى الطاولات المُعدَّة للاحتفال، ورحت أقلِّب نظري في المكان، كانت مريم متأنقة بطولها الفارِه، وسمرتها التوابليَّة.. وجهها البريء لم يتغيَّر كثيرًا منذ عهد الشوارع المتعرِّجة.. أتذكَّرها تماماً هناك: وجه أسمر مستدير محاط برداء للصلاة من القطن الأبيض المُطبَّع بوردات زرقاء متحاذية، وحوافّ منقوشة برسوم شرقيَّة الطابع من اللون ذاته.. أعتقد أنهم لم يخترعوا في ذلك الوقت وسيلة أنيقة لختم أطراف القماش فكانت الأردية من النوع الذي ترتديه مريم يترك دون تهذيب، ومع الوقت كانت الأطراف تصنع ختمتها الخاصة بشكل متهدِّل.. مبروم.. وبـدائي..
كانت مريم تستقبلنا في آخر المنحدر الذي يهبط بنا ـ طالبات المجمَّع المدرسي الكبير ـ إلى حارة مذبوحة ككلِّ زوايا الرياض بقائلة مريعة، تنبت كما الواحات، وبقطعة معدنية من فئة يتأنَّف منها الصغار اليوم كنا نشتري مثلَّجات التوت المغروسة في الماء المثلَّج أمام بيت مريم، و هي تصرُّ مبالغ الشراء،كانت تعدُّ نفسها للتجارة منذ ذلك الوقت؛ فبذهنيَّة تجارية فذَّة، و بقليل من الموارد صنعت لها اسمًا تجاريًّا يبعث على الارتياح في تلك الأزقَّة الضيقة.
اليوم الأشياء مختلفة.. مريم تفتتح مشروعها الذي يتعلَّق بالجسد من الرأس حتى أظافر القدمين، و السيِّدات هنا يختلفن قليلا عن النساء اللواتي كن يصادفننا بعد زياراتهن الضحويَّة يركضن هربًا من الشمس، ويتحسَّسن الظلال النادر فيما نلعق نحن ذائب المثلَّجات من الفتحة الصغيرة أسفل الكيس، في المكان الجديد حيث لا توجد المثلَّجات ترتدي النساء ملابس أنيقة، ويضعن أقراطًا من ألماس، أعقاب أرجلهن صقيلة لامعة، يشربن العصير الكثيف ذا الطبقات في كؤوس من الكريستال بسيقان ضيقة، الحرارة التي تحيطهن معدَّلة رقميًّا، كلُّ الأشياء مهيَّأة هنا للجميع: للضحك، والمتعة، ونظم خيوط الكلام في ثقوب الوقت، كنت أملأ ثقوب وقتي بتأمُّل طبقات العصير حيث تقبع في آخرها طبقة حمراء كحمرة التوت، فيما صوت مريم و هي ترحب بضيفات يضغطن على أسنانهن عند الحديث يثقب أذني، كان الثقبُ هو مادة تلك الأمسية، فالوقت الطويل الذي مرَّ منذ آخر مرَّة رأيت فيها مريم مارس على الصورة القديمة شيئًا يشبه التشويه، أو التغيير غير المحبب،كانت مريم منذ وقت طويل تشكِّل بالنسبة لي طعمًا معينًا، نكهة هي مزيج بين الإنساني والمادي: حيث يصفف كلٌّ منا مشاعره في خزائن هي في الأصل مواد جامدة، لكنها هي التي تفتحنا تجاه هذا الشعور، أو ذاك،كانت مريم بكاملها مفرقًا ، موسمًا يعلن بدء الصيف واختتامه، و لذا أظلُّ كلما تذوَّقت التوت أمرُّ عبر الزمان تجاه ذات المكان، و ذات الهيئة التي تقتعدها في رأس الشارع.
اختراع الأشخاص الذين ينشِّطون الذاكرة لا يتمُّ بإجماعٍ ظاهر؛ فمريم بالكاد تتذكَّرني، و لولا خيط دقيق من العلاقة والعشرة يربط عائلتينا لما كنت هنا الآن لكنها بالرغم من ذلك ـ وبإجماع داخلي من طرفي ـ تظلُّ جزءاً من اللوحة، بؤرة أساسيَّة يتمحور حولها اللون، والظلُّ، والأبعاد.. إلى أي حدٍّ ينبغي أن يحتفظ هؤلاء بسيماهم التي يتشاطرونها ـ دون علمهم ـ مع الآخرين؟؟ أيحق لي أن أنصب طاولة محاكمة، وبشكل جدِيٍّ أدَّعي على مريم أنها تبعثر ذاكرتي، أنها تعرِّض الصورة لعوامل تعرية، وظروف قاسية تجعلها محض ضباب، وتهويمات تسكن خيالي فقط حيث لا أحد يحبُّ أن يتذكَّره الآخرون مفترشا قطعة ورق منزوعة من صندوق برتقال؟؟
كان الوقتُ يمضي، والمكانُ يخفُّ من زائراته، أحسست عندها برغبة في المغادرة، فرأسي – الذي أفرطت في بعثه ذهابًا وجيئة تجاه الماضي – آخذٌ في قدحِ صُداعٍ ثقيل..
كانت مريم تقف قبل الممرِّ المؤدي للخروج توزع ابتسامتها وامتنانها على الزائرات.. تركت طاولتي، وقمت بجولة صغيرة في المكان، ثم قصدت مريم هنَّأتها مرَّة أخرى، صافحتها وضغطت على يدها بشكلٍ غير واعٍ، كنت على وشك أن أقول: إنني مشتاقة جدًّا للمثلَّجات التي تصنعه ، لكن ضوضاء المودِّعات، وانشغالها البادي، والتعب الذي بدأ ينسلُّ رغما عنها جعلني أنتبه، و أقتل رغبتي الغريبة، سحبت يدي من يدها، وخرجت..
عندما اعتدلت في السيَّارة كنت أشم في يدي التي سحبتها من يد مريم رائحة توت قديمة، ولكنني لست متأكِّدة: أيُّ اليدين كانت تصدر عنها الرائحة!؟
حُفاة..!
حين احتفل الناس بطيِّ حقبة الحَفاء في البلدة، كان صانع الأحذية الذي ألبسهم يرفع رأسه للمرَّة الأولى، لحظة رأى الناس أنفه الضخم المليء بالدمامل خرجوا من الباب، و نسوا أحذيتهم..
اثنان وسبعون مترًا مربَّعًا..
يفضح قلمُه الواقعَ في المكان الأكثر عتمة.. المكان الأكثر عتمة من المقهى، نهار كلِّ ثلاثاء ينحدر هنا، ويسحب من تعب المارين والروَّاد هواءً لناره الصغيرة، بين التاسعة والثانية عشرة يستقلُّ هذا المقعد البعيد في مقهى متواضع يطلُّ على شارع رئيس في حيٍّ فقير غربي المدينة.. اعتاد أن يمرَّ قبل دخوله على كشك بائع الجرائد يحمل جريدتيه المفضَّلتين، ويدخل المقهى.. قبل أن يعتدل في جلسته تصله القهوة؛ فهو في رأس قائمة نادل المقهى يوم الثلاثاء.. يرتشف قهوته المُرَّة وهو يتأمَّل الناس في محطَّة الحافلات على الرصيف المقابل للمقهى.
خلال الساعات الثلاث يكون قد أنهى مقاله الأسبوعي بحيث يمكن تسليمه الأربعاء ليظهر نهار الخميس في الجريدة.
اعتاد أن يكتب على صوت الأكواب وهمهمة روَّاد المقهى، وصار يعوِّل كثيراً على أحاديث الناس هنا.. شكوى المتقاعدين.. ومتاعب العمَّال.
طاولته التي اعتاد الجلوس عليها لشخصين، يعلوها غطاء قطني أحمر قديم ذبلت أجزاؤه التي تحتك بزوايا الطاولة، حين يجلس يمكنه ملاحظة صانع القهوة، وطاولات الروَّاد بوضوح، وإذا أسند رأسه للزاوية حصل على منظر ثلاثي للمارَّة على الرصيف، ولطاولة صنع القهوة، وللمقهى كلِّه.
ليس للمقهى طراز واحد: الجدران قاتمة واللوحات عليها لا تنتمي لمدرسة بعينها، لون الستائر المعقودة على جانبي واجهة المقهى الزجاجيَّة لا يتناسب مع أغطية الطاولات وبطانة الكراسي، لكن المكان حميم، و روَّاده لا يثيرون المشاكل، وطعم القهوة جيَّد.
بعد ساعة من وصوله يُعيد النادلُ ملءَ كوب القهوة الخاص به، في هذا الوقت يكون قد وجد الفكرة الملائمة لمقال الخميس، وعليه الآن أن يكتب وهو يرتشف فنجانـًا ساخنًا، الفناجين هنا فرنسيَّة الصنع ذات قاعدة ضيِّقة مطليَّة بلون ذهبي يتمدَّد على سطح الكوب الخارجي على شكل دوائر تتصل كلُّها في أعلاه بهيئة زخرفة أنيقة، وفي الدوائر الصغيرة رُسمت صورة جسر حجري قديم يصل ضفَّتي نهرٍ من عالم الأحلام، كان اللون الذهبي على الطرف الأعلى للكوب باهتاً قليلا؛ وبشكل خاص على الطرف الذي يواجه فم شخص يستعمل يده اليمنى لشرب القهوة.
في العاشرة والنصف تقريبا يغادر كبار السن المكان لقضاء حوائجهم من وسط المدينة، ويبقى المقهى هادئا لفترة قبل أن يعجَّ بطلبة كليَّة الطب الذين أنهوا حصَّتهم التدريبيَّة في المستشفى العام نهاية الشارع، و بانتظار وصول الحافلة تتطاير إلى سمعه أطراف حكاياتهم مع المرضى، ومشاكل الدراسة، وهمومهم اليوميَّة، في الحادية عشرة يحين موعد الحافلة التي ستقلُّهم للجزء الشرقي من المدينة حيث مجمَّع الكليَّات، يحملون معاطفهم البيضاء ويغيبون في زحام الحافلة.
الساعة الحادية عشرة، ينقِّح المقال حيث يطير إلى أنفه دخان الفنجان الثالث، وكالعادة يصبُّه النادل بهدوء حين تدق ساعة المقهى بصوتها الباهت معلنة ابتداء الثلث الأخير من وقت ضيف الثلاثاء الدائم.
بعض الرتوش، وتنقيحات إملائيَّة وإضافات، وأخيرًا يرسم اسمه، وإمضاءه في كعب الصفحة الأيمن.
نصف ساعة قبل أن تدق الثانية عشرة يكتفي فيها بتوزيع نظره على المارَّة حيث يعود طلاَّب المدارس الابتدائيَّة، يتأمَّلهم وهم يتراشقون بماء الشرب في باحة مسجد الحي أيام الصيف، و بين وقت وآخر يمرُّ باعة متجوِّلون و عمَّال بناء، واجهة المقهى الزجاجيَّة تسمح بمشاهدة نصف المارة العلوي فقط، فكانت عينه تلتقط بسرعة تعب أعين المارَّة وحديثهم وعرقهم الذي يلمع على رقابهم قبل أن يذوب في ياقات القمصان، وفي الشتاء يعلق البخار بالواجهات فيبدو الكون من زاويته مسرحًا للخيالات التي تعبر الشارع: منتصبة، منحنية، غاضبة تلوِّح بقبضتها.. الثانية عشرة إلا دقائق.. يجمع أوراقه و يدفع حساب قهوة اليوم ويغادر.
هكذا خرجت مقالاته طوال السنوات الخمس الماضية، كانت شراكة القهوة واضحة، ورائحة المكان تصنع معه هذا الإفطار الصباحي لزوَّار عموده الخميسي، يذكر تمامًا من مرَّ هنا ووهبه فكرةً بكرًا، يذكر تماما كلَّ رائحةٍ تمددت فوق الورق، وكلَّ شكوى أيقظت سنَّ قلمه الحادِّ فلم يسترح إلا وقد استدار بعد حرائق كلمات.
هذه الأمتار المربعة القليلة، المكعَّب ذو الإضاءة الخافتة يبدو في عينيه نافذة تجاه العالم، صومعة لحشد الرؤى والأمنيات، رحِمًا من أخشاب البلُّوط تتخصب فيه فكرة عابرة بضوء سريرته.
رجلاه تطآن الرصيف وتقطعان الشوارع تلقائيًّا، يبدو الأمر كما لو كانت لهما ذاكرة مستقلَّة مهمتها الاستيقاظ كلَّ ثلاثاء وحشو الطرقات بخطواتِه، وبشوقِه الجارف كلَّ أسبوع للمكان الذي يلد مستطيله الخميسي.. يذكر تمامًا كيف اهتدى لهذا المكان مصادفة رغم أنه يبعد مسافةً قليلةً عن سكنه، وكيف أن حميميته، و دفئه يجعلانه مهمة أسبوعية لذيذة.
نحن لا نخترع الأمكنة لكننا نهبها كل يوم حياة على طريقتنا، وهو يهب ذلك المكان حياة في داخله على طريقته.
ثلاثاء جديد، شتائي قاتم والخطوات تمارس تذكُّرها الأسبوعي حين وقفت فجأة على رأس الشارع لتحسَّ برجفة مفاجئة، كانت الشرائط البلاستيكية الفاقعة تحيط بالمبنى الذي يحوي المقهى، ضجة غير معهودة وعمَّال يرتدون قبَّعات صفراء، كان أحدهم يشير إلى واجهة المقهى الزجاجيَّة، و اثنان يقتلعانها من إطار الخشب الذي يحيطها، اقترب من مكان العمل متماسكًا وسأل عما يحدث ـ متحاشيًا أن يبدي جزعًا أو ألمًا ـ أجابه عامل ببرود:
"إنهم يعيدون تنظيم الحي، أرض هذا المبنى ستـُقتصُّ للشارع الجديد"
كانت جرَّافة عابرة تهرس كوب قهوة بطرف ذهبي باهت قليلا من جهة فم شخص يستعمل يده اليمنى في الكتابة!!
خيبة
حين وصلتُ الطرف البعيد من البهجة، كان نزق الواصلين الأوائل يخوض في طين الكلمات، و إذ بدأت أخيطها على السطر كانت تنزلق إلى الفراغ، فيما ظِلُّ لسان طويل يتعركش على ظهري..!!
خِلسة
ابتداءً ينبغي أن أكرِّس لنفسي قدرًا مضاعفًا من الموضوعيَّة يسعُه احتمال تصوُّر قد لا يوافق هواي، ويسعه أن يحتمل "رَشيد" و إن تحوَّل بكامله إلى مرآة تظهرني مبعُوجًا عند خاصرتي بعرض شارع، أو مُستدقًا عند جبهتي كعمود النور أسفل البناية.
ليس سهلاً أن يسرق الإنسان صورته خِلسة من عيون الآخرين، وليس سهلاً أن يكون قليل تهذيب بحيث يفتش في أوراقهم عن ذاته العارية تمامًا، لكن الذي حصل لم يمكن تجاوزه دون حدٍّ أدنى من التفكير في اقتراف خطيئة كهذه.
لم تكن هذه المرَّة الأولى التي أدخل فيها شقة "رَشيد" وحدي؛ أصبح من العاديِّ جدًّا أن يجدني هنا على مكتبه، أومتكوِّمًا فوق الأريكة، أو نائمًا حين يطول غيابه، المشكلة اليوم هي في وجودي حر التصرف ككلِّ يوم، وبين يدي هذا الأزرق بأطرافه المتآكلة.
المرَّة الأولى التي يترك فيها "رَشيد" دفتر مذكِّراته على المكتب، المرَّة الأولى التي تنتابني حيرة بشأن أمرٍ كهذا، وأنا لست متأكِّدًا بأن مُوضوعيتي التي أعمل على تكديسها منذ انتبهت لوجود الدفتر لن تتعطَّل في منتصف الطريق لتتركني ذاتيًّا محضًا لا يتمتَّع بأي روحٍ تتقبَّل النقد دون أن تصرَّ أسنانها وراء ابتسامة مالحة؟؟
كان السِفر الأزرق يتقلَّب بين يديَّ، والصراع محمومٌ وهائلٌ بين ضميري الذي يوصوص، وفضولي الذي يزمجر.. أيكون؟ أأشق سرَّ "رَشيد" حيث يصطف اسمي في دفتر مذكِّراته اليوميَّة؟؟؟
أعرف أن ما كتبه "رَشيد" عني ليس شيئا عابرًا، خمس عشرة سنة لن أجدها في سطر صغير يصفني فيه: (بالفتى الطيب)، وهذه معضلة لأن "رَشيد" عرفني بقدر يجعلني واثقًا بأنني سأُذهل، وسأنظر لوجهي في المرآة مئة مرَّة لأنني سأرى شخصًا جديدًا لم أكن أعرفه كما عرفه "رَشيد"؛ "لرَشيد" عينٌ حسَّاسة تجاه كلِّ شيء.. يجيد فلسفة الأمور، وتفتيتها، ودحرجة الفكرة فوق كلِّ أرض تفسير محتملة، أعرف أنني أتمدد هناك على بضع شرائح جاهزة للعرض تنقصها فقط عتمة تخلقها جسارتي بشكل لا يبقى لي معها سوى أن أقترب من الجدار شيئا فشيئا، وأنظر لذاتي بذهول.
مرَّ وقت بدا مُضاعفًا لأنَّ حرارة جوفي أصبحت تمور في المكان وتسخِّن كلَّ شيء قابلٍ لقبض الحرارة والتمدُّد، و أنا لا أزالُ أقبض على دفتر المذكِّرات، ولا أزال أشعر باضطراب كبير حملتُ هذا السِفر بكلِّ وضعية ممكنة: جالسًا، مُستلقيًا، جاثيًا على ركبتيَّ، لكنني – حتى اللحظة ـ عاجزٌ عن حلِّ القفل الصغير والقراءة.
أعرف أن الأفكار التي تخصُّنا، و يختزنها الآخرون في ذاكرتهم ليست مجرَّد انطباعات أولى، سريعة وتلقائيَّة، يحدث أن نتصرَّف بعُجالة في شأن موضوع تافه، فيبادر الأصدقاء إلى التأييد، ولا تبدو أعمالنا وقتها حمقاء وغريبة إلا بعد أن يغيب الجميع، وينضجون بعد زمن، وفي الغالب لا أحد يعيد تنبيهك بشأن حماقتك، لكنه ينبه ذاكرته بشأنك، وهكذا يحتفظ بك حيث توقفت عند طفولة الفعل، وحيث انتهى به التفكير ناضجًا.. أنا أريد هذا التفكير الناضج، أريد هذه الخيوط التي تسكن حواشي ملابسنا، مبعثرة، وقليلة التهذيب لكنَّها تحمل عبء سترنا الأنيق الذي يوحي به الآخرون حين يرونك، ويُحدِّثونك، فيما يتراكم في وجدانهم منظورٌ آخر لا يراه أحدٌ سواهم، أنا أريد تلك الأفكار حيث يسجِّل "رَشيد" انطباعًا نهائيًّا بشأني، مدروسًا، وخاضعًا للتفكير، ومتجرِّدًا حيث يؤمن ألاَّ أحد يمكنه أن يجد دفتر مذكراته، أو حتى قراءته، ولكنني على وشك أن أفعل، على وشك اختراق هذا اليقين.
افترضت أخيرًا أنَّ عيوبًا متراكمة تسكنني، وحين أعدِّل هذا الاعوجاج في شخصي بناءً على الرؤية المتجرِّدة التي افترضتها، سيُفاجأ "رَشيد" بي متغيِّرًا ومتحسِّنا، قد لا يمكنه وقتها تحسُّس السبب، إذ لن يخطر له أنني قد صرت لصًّا محترفًا، فقد كنت لا أغيبُ عن شقته، وكنتُ أعبث بالمكان دون أن يحمله خيط شكٍّ على قفل درج مكتبه حيث يترك الأشياء السرِّية، ولم أكن أجرؤ على سحب ذاك الصندوق، ولو جرأت في يوم سابق لكنت قرأت هذه الأوراق منذ ابتدأتْ، أيتعيَّن أن أقرأها لمجرَّد كونها مُلقاة سهوًا فوق السطح..؟
كان ضجيج فكرة أنني أكترث لعيوبٍ تصدر عفوًا، ويحتملني "رَشيدٌ " ـ برغمها ـ ويعدُّني رفيقًا صالحًا، بوقتٍ هو نفسه الذي أسعى فيه إلى ترميم شخصي، وتهجير هذه النقائص بتعمُّدٍ لهتك المُغلقات، وقصدٍ واضح لخيانة لن يغفرها لي يومًا، ضجيجًا لا يُحتمل، كنتُ أضع هاتين المفارقتين في كفيَّ، وأزنُ كلَّ الاحتمالات، حين قذف "رَشيد" في يدي علبة مشروب غازيِّ بارد، وبدأ يحكي لي أخباره ذلك اليوم..
بطعم الموتى..!!
أجيال
عادت الطيور إلى أعشاشها بخمَصِها القديم، فيما كانت الظهيرة ترغِّي السِدْر في ماء الوضوء الأخير، ويدان تغمضان على حبٍّ صار سنابل للحواصل التي لم تفقس.. بعد..
مرثيَّة
كانوا يسحبون القصيدة إلى رأسه فتنكشف قدماه، يجرُّونها لقدميه فيتجلَّى رأسه، كبَّروا: هنا رجلٌ لا تكفيه القصائد!!
بطعم الموتى
أنهت الحكمةُ دورةً كاملة، لم يلتفت أحدٌ إلى أن هذا الوقار الذي لبسته الضواحي هو عشبٌ مفاجئ نبت على المنحدرات حيث يرقد الموتى، وعلفته الماشية، قبل أن نجرعه أبيض ذا رغوة!!
تلفيق
(الأيائل تستبيح السفوح بهامة عالية، وحين تغيبُ يستردُّها الزمن كزجاجٍ ملوَّن يُلحمه الحمقى بعقولهم الذائبة .. )
المنتصف منطقة غير عابرة؛ أتتماثلُ الخطوات على الطريق بعد المنعطف مع تلك التي قبله؟؟ .. لا أحد بعد يعرف حتى تقع الخطوة الأولى.. بعد المنعطف..
حين غاب الفذُّ الذي أراق سرَّ المدينة شارعًا شارعًا.. وزاويةً زاوية ترك خمس عشرة خارطة ونصف، خرائط البهجة.. والسكون.. والليل.. والآفاق.. والعالم حين يتضاءلُ ويسكن الأزقَّة الضيقة.
لا أحد يشبه هذا الصحو، ولا أحد ـ بعد ـ يمكنه أن يصنع نصفًا فائق الروعة يشبه نصف "نهار".
ظلَّ هذا النصف متلُوًّا على الألسنة، وخرسُ الانبهار يعلو الأفواه، وشراهة النصف الجديد تشرع بابها بكلِّ قوَّة، الفضول يأكل سكان المدينة، ورنين الذهب المأمول يطحن ضمير الناشر، و"نهار" يتقلَّب ملء جفنيه ساكنًا تحت هذا الجمع الذي يختصم.
يعرف كلُّ واحد من السكَّان أنه معنيٌّ (نهار لا يبتعد كثيرًا) هكذا كانت غيوم الأحاديث تعلو المدينة، يعرف الجميع أن عِرقًا صغيرًا يربط أقدامهم بهذا التراب، وأنهم نابتون هناك ولا بُدَّ..
الكلُّ هنا له هدفٌ غير معلن: في القصَّة السابقة كان البقَّالُ لصًّا صغيرًا، يفجعه اليوم أن يكون "نهار" قد اكتشف شيئًا جديدًا، لذا كانت القصَّة أشبه بشاهد إثبات ينبغي خنقه في مهده، ورغم هذا لم يكن يجرؤ على التفوُّه بكلمة؛ سيعلم الجميع أنه يتحسس البطحاء فوق رأسه..
الشحاذ يعرف أنه فقد نصف المحسنين عندما أطلَّ شبيهٌ رثٌّ في (الحكايات السُفلى)، لِمَ على الجميع أن يصدِّق "نهارًا"؟ ولماذا أخذتهم الريبة بي حين ألمح "نهار" إلى أن الشحاذين يقطعون أيديهم عمدًا، ويصلمون آذانهم طمعًا في بضعة قروش: هكذا كان يتمتم حين يعود آخر النهار بحملٍ ضئيلٍ من القروش.
حتَّى النساء اصطنعن من "نهار" موفـِّق الحلال: كان قد رأى " أريبة" خلسةً تشرُّ الغسيل فوق بيتهم الطيني فوهبته تلك القصَّة العاصفة، (أريبة تلك القصيرة بالشعر الأجعد يتهافت عليها الخطَّاب) كنَّ هكذا يتحدَّثن، ويُقسمن ببراعة " نهار "، انحدرت قسمتها الفذَّة في أوراق "نهار" أكثر مما انحدرت في أفواه الخاطبات اللواتي صررن الريالات ألفًا ألفًا دون أن يقرع النصيب.
للجميع حكايةٌ مع "نهار"، الجميع يشغلهم هذا الحَبُّ الذي لم يُطحن، ولم يستدر رغيفًا، لأن لا يدَ ـ بعد ـ يمكنها أن تقرب هذا السحر.
هناك مشكلة مؤرِّقة تجابه الناشر الذي دفع نصف مبلغ العقد لـ "نهار" ذاك الذي غاب دون أن يستأذن، فـ "نهار" كان يبتلع المدينة من طرفها حتى طرفها الآخر قبل أن يحيكها من جديد ، الآن لا وقت لابتلاع مُصطنع، لا وقت لأن يأتي كاتب مُستعار ليفهم المئات، ثم يصنع دائرة كتلك التي يصنعها " نهار " قبل أن يرمي الجميع فيها كحجارة ملوَّنة، كموزاييك فريد من نوعه..
كان وضعًا مُعضِلاً، الجميع وإن بدا انشغالهم بحياتهم، إلا أن ظِلَّ "نهار" يتبعهم، وحِمل الحيرة الذي خلَّفه وراءه يسكنهم وإن أظهروا غير ذلك .. "نهار" لا يزال بعد هذا الغياب يعلِّق سؤالاً ثقيلاً..!
سرت شائعات عن وفد رفيع قصد الناشر كي يقفل هذا الباب، ويصرف نظرًا عن استكمال القصَّة، يجب أن تظلَّ كما تركها نهار: هكذا استوى رأيهم، لكن أجندة الناشر لا تروقها عللٌ إنسانية للأحياء، فكيف يأبه لميتٍ مدين، كان لابد من حلٍّ يُرضي كلَّ الأطراف، يجب أن تقفل هذه القصَّة بيد تهادن كلَّ الأبطال المحتملين، وكلَّ الشخصيات العابرة، لكنَّ المدينة من أقصاها إلى أقصاها تعجز عن قذف من كان في هذه الدائرة المستعرة؛ فما من أحدٍ يحدُس النهايات كـ "نهار".
نمت من الحكاية الأم حكاية وليدة: كانوا يستفتحون الصباح بـ ( ما الذي خطَّه نهار.. أأنا هناك بشكلٍ ما ؟؟ ) واليوم تدق الشمس ظلمة الأرض بسؤال أشدَّ إلحاحًا: (من يكون مُنقـذنا.. من يكمل هذه القصَّة ويُلبس العرايا المحتملين كسوة ملفَّقة على عجل ؟؟).
"جابر" إنـَّه "جابر" آخر المتعلمين في المدينة، يحمل شهادة جامعيَّة في التاريخ، قرأ قِصصًا كثيرة ولا شك، ومرَّت به حكاياتٌ ملفَّقة لا تنتهي، أيعجزه أن يملأ جراب الناشر بنصفٍ مكمِّل؟
كانت أنفاس الصُعداء التي تبادلها سكان المدينة ذلك النهار مؤشرًا على رضاهم بهذا الخَيار: (جابر ولدٌ صالح ) كانت تلك الجملة الأكثر استعمالا لمدَّة، وكان جابر هو الأسعدُ بين المئات: كان كلُّ فرد في المدينة يزوره ليلا، ويطمِعُه لتحسين صورته، فيما نساؤها يسرفن في حمل صنوف الطعام إليه علَّه يمنح بناتهن دورا صغيرا ـ محشورا في المنتصف ـ يجعل نصيبهن نصيب " أريبة ".. بشكل ما أصبح اللصوص روَّادًا للخير ، ومطففو الكيل ذوي سِحنٍ متأنقة، مرتبة، ونظيفة!!
تبادل الجميع القصَّة بعد الطباعة، كان الغلاف يمحض الجميع تلك الرغبة الدفينة في قلب الحقيقة، وتلفيق نهايات مضيئة لطرق موحشة مظلمة منذ مبتدأها..كان جسد الجيوكندة يسكن أقصى يمين الغلاف يعلوه رأسٌ ملوَّن يشبه رأس دونالد دوك !!
انزلاق
كان السقف يحتضن طوال الليل مخاض أفكاره، الفقاعات الناشبة في سماء الغرفة بعضها لا يحتمل سُمِّـيَّة الفحوى، حين أوشك أن يُبدِّد الظلام بشرع النافذة للصباح تعثَّر في فكرة دبقة.
جريمة رخوة
بعد المدخل الرئيس للجامعة يتمدد أوَّل دوَّاراتها إذا اتجهت يسارًا سيوصلك الطريق للمشفى الجامعي بعد أن تتجاوز مبانٍ متوأمة معدَّة لسكن الأساتذة و الموظفين، كان الجوُّ خانقًا، والهواء الساخن يموج فوق غطاء السيَّارة، ورائحة الجلد المنبعثة بفعل الحرارة تجعل المزاج في هذا الوقت من السنة في أسوأ حالاته، يمكن ـ بكلِّ سهولة ـ في هذا الوضع أن ترتكب جريمة.
بعد عدَّة أمتار من الدوَّار، وأنا في حالة خدرٍ ضحويٍّ مألوف اصطدم شيء بمقدِّمة السيَّارة، يصعب أن تميِّز ماهيته إذا كنت تسير بسرعة غير معتادة في هذا المكان، كلُّ ما أمكنني ملاحظته كتلة سوداء صغيرة هبطت فجأة من أعلى عمود الإضاءة على الرصيف الأيسر.. بعد عدة أمتار من مكان الاصطدام عدَّلتُ المرآة العاكسة لتكشف عن تلك الكتلة متكوِّرة فوق الإسفلت.
خمَّنتُ لحظتها بأن الجناية كانت من نصيب طائر سيئ الحظ..
ليس غريبًا أن تشاهد جثثًا مسحولة على الشوارع، تبدأ الصورة بقطرات دم، ثم بضعة أشلاء، ثم جثة، ويمكن طبعا تخيُّل السيناريو الأسود: اصطدامٌ أولاً يطيش معه شيء من دم الضحيَّة، وربما تعلقت بكاملها بإطار السيَّارة، أو مقدِّمتها فتُسحب بضعة أمتار قبل أن تتآكل قطعة اللحم التي تشدُّها لأداة الجريمة ثم تقع بشكل عادي، وباعتبار السلخ لا يضرُّ بعد الذبح فإن أحدًا لا يتبرَّع بحمل هذا الجثمان الصغير بعيدا عن الطريق ، فتبصم كلُّ السيارات المارة على الجثَّة غضب القائلة.
انتهى مشواري وعدت للبيت، مارست حياتي بالشكل اللائق تماما كما ينبغي لإنسان لم يخطئ قط.
كان صوت اصطدام السيَّارة بجسم الطائر الرخو مشوِّقًا نوعًا، هذا الصوت مميَّز بشكل غريب؛ الأشياء الرخوة لا تُصدر صوتًا موغلاً في الإزعاج، كان أشبه بطلقة من مسدسٍ كاتمٍ يسمعها المجرم، والضحيَّة لكنها ناجعة بدرجة فائقة؛ ناجعة لحدِّ الإحساس بأن شيئا ضروريا قد انفثـأ برقَّة.. كنت قد بدأتُ أتساءلُ.. أيُّ أجزاء الطائر اصطدم بالسيارة؟؟
تبعا لاتجاه السير فإن الطائر قدم من جهة اليسار وربما خطَّط للهرب من الحرِّ بالاختباء في شرفة أحد المباني التي كانت على يميني، أو تحت ظلال شجرة من أشجار الرصيف المجاور، انخفض بمسافة غير مدروسة كما يبدو، واقترب من السيارة أكثر مما يجب، اصطدم بالسيارة جانبه الأيمن، لا أعرف أي أعضاء الطيور تقع في هذا الجانب لكنه عضوٌّ مهمٌّ حتما لأن الطائر ـ حين نظرت إليه من المرآة العاكسة ـ كان جثة فعليَّة.
لماذا يشغلني هذا الأمر كثيرًا؟؟
بدا لي الموت اليوم سهلاً جدًّا، سهلاً لدرجة أن الكائن يمكن أن يموت – بهذه السهولة – ويعود قاتله وهو محظِيٌّ بالاهتمام والترحيب، هل تعرف زوجتي الآن بأنها تقدم الطعام لقاتل؟ يبدو أن الأمر لا يهمُّها حتى!!
هل يعرف جاري أنني مارست القتل هذا النهار، وأنـَّني استمتعت بتحليل الجريمة، حتى لو عرف سيظلُّ مُصرًّا على دعوتي لتناول القهوة وسرد حكاياته المملَّة!!
كان صوت الاصطدام غريبًا.. شيء رخوٌّ ورطب، أنا رخوٌّ ورطب، وكل يوم أعبر الشارع….!!
قشر موز
لم يصل بعد، ولن… على ما يبدو، مرَّ وقتٌ طويلٌ قبل أن يدرك أنَّ قشر الموز كان يُلقى عمدًا في طريقه إليهم..!!
<><><><>




ظِلُّ الفراغ
المجموعة القصصيَّة الثانية
صدرت في الرياض عن دار المفردات 1430هـ ــ 2009م
محتويات المجموعة: (قريبًا)