حيث تموت الحوافُّ.. وتدفنُ البدايةُ رأسَها في رملِ النهاية!! (1)
محمد جبر الحربي
شاعر وكاتب سعودي
مجلَّة الجزيرة الثقافيَّة
فيما يلهث القوم خلف (بنات الرياض) أجد في هذا العمل المتقن أيَّما إتقان للقاصَّة الماهرة المجيدة سهام العبودي، إبداعًا جديرًا بالمتابعة، والنقد، والحفظ.
وأنا أعني هنا المجموعة القصصية الرائعة (خيطُ ضوءٍ يستدقُّ) الصادرة في أواخر العام 2004 في عمَّان.
الحقيقة أنـَّها عمل أدبي خلاَّق، غنيٌّ بالتفصيل، والاختزال، والقارئ لا بدَّ من أن يقف مشدوهًا أمام اللغةِ العاليةِ النَّادرةِ بين كتَّاب القصة هنا.
طبعًا لن يشاركني القارئ فيما ذهبت إليه دون أن يطلع على وثيقة تدلِّل على ما أقول، لذلك أجدني سعيدًا بمنح هذا الفضاء للقصة الأولى في المجموعة، لنلاحظ كيف تجيد سهام رسم لوحة بالكلمات لا تتقنها الصورة، ولا يقدر عليها الفنان.
خيطُ ضوءٍ يسْتدِقُّ .. أو جريد..؟
كنت فقط أتساءل: كيف يمكنها جدل الجريد، وترتيب هذا النسيج وهي لا تراه، وقتَ كنت أصغر كنت أتعمَّد أن أنحشر في حجرها فيما يداها تحضناني وتمتدان للجريد، وأنا أنقِّب بعينيَّ الجائعتين في صفحتي عينيها الرماديتين عن بؤبؤٍ نافع يبرر عملها المتقن .. ولا أفلح في شيء سوى الاستمتاع بهزِّها فخذيها وأنا هناك.
لا تنبس يداها في الضحويَّات الواسعة سوى عن هتاف أصابعها بتسبيحٍ دافئ، أو اخضرار باهت ينساب بين بلح يديها المخضَّبتين.. يمتدُّ جدائلَ عريضة تُخاتلها شرائط الكتَّان الجهيرة الألوان بحيث لا يبدو الجريد متوحِّدًا تحت الضوء، وإذا استطالت الجدائل بقدر كافٍ عادت تعقِصُها دوائر ملولبة مُتحاضنة يُنشب رأس السُفلى في قعر العُليا مخلبٌ من جريد حادٍّ، وهكذا حتى تناديني لأحمل نتاج الضُحى: سفرة أنيقة من الجريد.. كلُّ هذا وهي لا ترى، تنبس يداها سُفرا تكفي الحيَّ كلَّه، وتنبس شفة حيرتي وأنا أرقب الدوائر، في إحدى حيراتي تلك سألتها كيف حدث وفقدت بصرها، قالت: إنَّها أحسَّت به يتضاءل.. ينقبض كالضوء المُغادر، وفي ذلك الوقت لا يمكن أن يجزم أحدٌ بحلٍّ ناجع، كانت أبصارهم تذهب جملة، وخيط الضوء الذي يستدقُّ مع الوقت ينفلت فجأة من فضائهم لتسكنهم دكنة خليطة الملامح، وببساطة يصبحون عميانا.. هي تعرف أن لا شيء يعنيني هنا سوى جريدها، تتعمَّد أن تبالغ في مهارتها، وأنا أطوف بإصبعي على الدوائر الناتجة، المتقنة، حيث تموت الحوافُّ، وتدفن البداية رأسها في رمل النهاية، قالت أخيرًا: إنَّها لا يمكن أن تفقد الإحساس بالجريد، حيث يكون هو كلَّ شيء؛ حين استدقَّ ضوؤها، كان ينحسرُ عن سماء تتكشَّف بين جريد يتقاطع، عن مدًى لا متناهٍ من الأخضر، عن خيوط النخل المكوَّمة في فسحة الدار حيث كانت يدا جدَّتها تنشئان السفر الأنيقة ذاتها، وهي تمررُ يدين غضَّتين، وتنقش في صفحتها البيضاء هذا الطريق السحري نحو الدوائر..
لا تخطئ اليدان طريقهما نحو خضرة الذاكرة حيث لا ينطفئ الجريد منذ عقود، وحيث تمدُّه _ ويحيِّرني _ تمدُّ سماءها الواسعة، تفتح المدى الذي انغلق بظلمة قديمة، اليوم لا أعود أبدًا لسؤالها، أرقب جدَّتي تجلس في صدر مجلسنا، تمدُّ الجريد، وتسرح في أفقٍ أخضر لا نراه..
هنا انتهت القصة، الأسبوع القادم لنا وقفة مع سهام، ولربما بعثتم لي بما نالكم من جمال..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيث تموت الحوافُّ.. وتدفنُ البدايةُ رأسَها في رملِ النهاية!! (2)
محمد جبر الحربي
شاعر وكاتب سعودي
مجلَّة الجزيرة الثقافيَّة
بطعم الموتى :
(أنهت الحكمة دورة كاملة، لم يلتفت أحدٌ إلى أن هذا الوقار الذي لبسته الضواحي هو عشبٌ مفاجئ نبت على المنحدرات حيث يرقد الموتى، وعلفته الماشية، قبل أن نجرعه أبيض ذا رغوة..!)
بهذا الشكل العميق والفاتن يمكن أن نفهم الخلفية التي تسند قصص سهام العبودي، والأرضية الصلبة التي تسير عليها، فإذا ما أضفنا إلى ذلك قصة (خيط ضوء يستدق) التي نشرناها في الزاوية الماضية، وهذه اللافتة: (حين احتفل الناس بطيِّ حقبة الحفـَاء في البلدة، كان صانع الأحذية الذي ألبسهم يرفع رأسه للمرَّة الأولى، لحظة رأى الناس أنفه الضخم المليء بالدمامل خرجوا من الباب، ونسوا أحذيتهم..) وقد أسمتها (حفاة)، أمكننا أن نتعرف ولو من زاوية ضيقة على قاصة تتعب كثيرًا على قصصها.. فهي تتعب على الفكرة، ثم، وكما يبدو من الكتابة المحبوكة حبكا متقنًا كما سفر الجريد التي طرزتها بمهارة يدا جدتها الماهرتين، تنقش لغة ساحرة محكمة، بجمل قد نحتت نحتًا، مفصلة تفصيلاً متقنًا لتفي بالغرض الذي استخدمت له.
إنها بالفعل براعة القصِّ كما أعرفه، أو كما أحبه، قصص قصيرة تملأ مكانها ومسماها.. ولكنها قصص لا تأتي من الفراغ، وليست وليدة بهرجة لغوية، أو لعب لغوي يتكئ على التغريب، أو الجنس، أو المفردات الممجوجة التي أصبحت وسيلة استجداء لدى كتاب وكاتبات القصة اليوم. على العكس تمامًا إنها قصصُ قراءاتٍ وخبرة وقدرة على الرصد.
قصصُ أفكار لا تهويمات، وقصص مواقف ورغبات تغييرية موجبة لا قصص فراغ وخواء.
منذ البداية يتضح لنا وبشعور عميق بالسعادة أن سهام قاصة جادة في عملها، دقيقة في تفاصيلها، قوية في رسم خطوطها، مهتمة جدًا بلغتها، تعرف أين تبدأ وكيف تنتهي، حريصة حرصًا كبيرًا على أن لا تطغى أفكارها، أو مواقفها على القيمة الفتية للقصة.. لكأنها عرفت المعادلة الصحيحة، وجدت الحل للمعادلة الصعبة، فقدمت لنا مجموعة قصصية جديرة بأن تتصدر عطاءاتنا القصصية التي أفلح عدد كبير من كتابها من الجنسين من إبعادنا عنها، ومن جعلنا نصفق كفًّا بكف كلما شاهدنا الحضيض الذي أوصلوا القصة إليه.
وقد تمكنوا بجهودهم غير المشكورة والتي لا تكل من إفساد الذوق العام، ونجحوا في إعطاء انطباع سيئ عن الكتابة بشكل عام، وفي التغطية على النتاج المميز لكتاب القصة الذين يكتبون القصة بالفعل عندما أصبحوا المشرع الوحيد لشكل الكتابة في كثير من نوافذ الإبداع. وفي خداع أجيال من كتاب القصة الجدد، وهذا الأمر ينطبق على القصيدة أيضا للأسف الشديد.
من هنا تأتي أهمية هذه المجموعة، فهي ليست فقط قيمة إبداعية تضاف للرصيد القصصي الكبير لدينا، ولكنها تأتي في وقت نحن في حاجة لمثلها بالفعل، فقد أتعبنا فيه القص المسخ الخالي من أية قيمة إلا قيم الفوضى والإيحاءات الجنسية بل التصريحات الجنسية البلهاء التي يمكننا أن نلاحظ أنها معتسفة لكي يقال غدًا: إنها كاتبة أو كاتب متجاوز وحديث.
قصص بلا موقف.. حتى وإن كان لا موقف!!
قصص بلا حياء، بلا لغة، وبلا فن. مجرد تهويمات، وتراكيب اعتقدوا خطأ بأنها قمة الإدهاش، أو غاية التجريب.
ولكن لِمَ أُفسدُ لحظات الجمال هذه؟! دعونا نعود إلى النبع القصصي لسهام العبودي، وأعتقد أنكم سترْوون عطشكم الإبداعي، بفن راقٍ ورائع. النبع عشرون قصة، كل قصة نجمة في فضاء سهام الإبداعي، ولها، للفن الذي احترمتْه أقف احترامًا.
فهنا لا تموت الحواف، ولا تدفن البداية رأسها في رمل النهاية.. بل تنمو البداية كالشجر المثمر الحر.
http://www.al-jazirah.com.sa/culture/26122005/fadaat16.htm
http://www.al-jazirah.com.sa/culture/02012006/fadaat14.htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سهام العبودي.. بنت الرياض (1)
د. فاطمة القرني
مجلَّة اليمامة
العدد 1890 _ 21/01/2006
سهام العبودي .. بنت الرياض!
.. بقدر ما أغرت «القصة القصيرة» بعض كُتَّاب الخاطرة الأدبية فتوهموا أنهم من مبدعيها، بدا أن «الأقصوصة» أو القصة القصيرة جدًا)ق.ق.ج) تُحدث مثل هذا التأثير المربك في بعض كُتَّاب القصيدة النثرية القصيرة، فيتلبَّسم الوهم نفسه، أي ادعاء انتمائهم لمبدعي جنسٍ ما هم أبعد ما يكونون عن الوفاء بتقنيات أدائه، وفنيات بنائه السهلة المستعصية في آن، وأتوقع أن منكم _ قرائي الأحبة _ من يردد الآن: ما قصة هذه الكاتبة مع التجنيس الأدبي؟!..، ذلك أن المتابعين لما أكتب على مدى السنوات الماضية يلحظون مدى إلحاحي على أهمية الانطلاق منها في نقد أي نص أدبي، فضلاً عن إبداعه ابتداءً، وذلك لأن تحقيق التنامي الإبداعي نصًا ونقدًا لا يمكن أن يتم في مستوياته الأمثل بإغفال خطوة مركزية كهذه، فبها يُصان كلُّ جنس أو نوع أدبي مُستقل الكينونة، ومن ثم تُفَعَّل مساعي تطوير أدواته في مساره الخاص بالتأثير المأمول، وهذا لا يتعارض مع التسليم بتداخل بعض الأجناس، وتعاطيها إلى حدِّ التماهي في حالات معينة، تمتعني المقالة إذا ما نُسبت لأرضها الخاصة، وكذلك الخاطرة العذبة، ومثلها تنويعات النثر، والشعر المختلفة.. إلخ،... فوضى «خَلْط الأنساب» وتكاثر الأدعياء هو المزعج فيمن لا يولون قضية التأصيل الأدبي حقها من الاهتمام، وهي ذات مردود سلبي وربما «قاتل» عند تناول نتاجات الأسماء الواعدة في ميدان الأدب، إذْ ربما ساقت بعضهم إلى وجهات لا تتناسب وملكاتهم الفنية، وجَهَلتْ.. أو جَهَّلتْم عمَّا هم مميزون به حقًا من قدرات ومواهب، وهكذا.. تُطوِّح بهم دوامات المضللين حتى تتلاشى الملامح وتنعدم الهويات .. أو تكاد!
انـزلاق:
كان السقف يحتضن طوال الليل مخاض أفكاره، الفقاعات الناشبة في سماء الغرفة بعضها لا يحتمل سُمِّيَّة الفحوى، حين أوشك أن يُبدِّد الظلام بشرع النافذة للصباح تعثَّر في فكرة دبقة!!
تمثيل إيماني:
ظلّ منحنياً لوقتٍ طويلٍ في انتظار التصفيق.. قبل أن تضيء الصالة على جمهور من العُميان!!
حُفاة:
حين احتفل الناس بطيِّ حقبة الحفـَاء في البلدة، كان صانع الأحذية الذي ألبسهم يرفع رأسه للمرَّة الأولى، لحظة رأى الناس أنفه الضخم المليء بالدمامل خرجوا من الباب، ونسوا أحذيتهم..
قشر موز:
لم يصل بعد، ولن ... على ما يبدو، مرَّ وقتٌ طويلٌ قبل أن يدرك أن قشر الموز يُلقى عمدًا في طريقه إليهم..
خيبة:
حين وصلتُ الطرف البعيد من البهجة، كان نزق الواصلين الأوائل يخوض في طين الكلمات، وإذ بدأت أخيطها على السطر كانت تنزلق إلى الفراغ، فيما ظِلُّ لسان طويل يتعركش على ظهري..!
هل تنعَّمتم ذات دهشة باحتمام المطر بالرياض والرياض بالمطر؟! هل زلزلتكم حين وءادة تلك الاحتفالية الفاتنة التي تشعلها بهجة الهطول في الملامح، و«المطارح» ...، ... الشوارع.. و«المَخَادع» حتى يتدفق خصب الانتشاء بكُلٍّ خارج نواحي الرياض .. وضواحيها، وبهم يعاود الدورة إلى وثير أحضانها في اصطخابات جذلٍ جماعية قَلَّ .. بل ربما انعدم أن يوجد لها مثيل؟! .. تَشَبُّثٌ حميم بميلاد الفتنة، .. التحام ذاهل بتجلياتها المتلاحقة .... وكأنها لن تمطر من بعد أبدًا ...، وكأنها لم تمطر من قبل أبدًا!!
من قُدِّر له أن يعايش _ مثلي _ طقوساً «اعتيادية».. و«استثنائية» في آنٍ كهذه لن يستغرق وقتًا طويلاً قبل أن يصل إلى أن النصوص الخمسة السابقة (1) تشكلت في مخاضٍ شبيه ... هطولاً مباغتًا، ونفرةً ذاهلة، ومعادًا رضيًا مرضيًا!
سهام العبودي .. بِنت الرياض .. ونَبْت مطره الحميم، تهطل علينا دفعةً واحدة، بكامل النداوة .. والطراوة ... والخصب!، تلتقط لمَّاحةً _ كما قَطْر نجد _ من بليد ملامحنا، وتليد مطامحنا، ذلك «العادي» المقصي،.. البيِّن حدَّ الانطفاء .. الراعش حدَّ الرتابة .. لتبعثه .. وتنبعث فيه .. غضة .. ريَّانة .. فاتنهْ!
هامش:
(1)من مجموعة سهام العبودي القصصية: «خيط ضوء يستدق» /ط1/5241هـ، وكل قصة من القصص الخمس ترد بعنوانها الذي يتوسط أعلى الصفحة في صفحة مستقلة، أشير إلى هذا لما لنمط الإخراج من أهمية في التعبير عن شخصية النص.
وعن سهام المدهشة، ومجموعتها الأخاذة.... للحديث بقية لاحقة.
http://www.yamamahmag.com/1890/19.html
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سهام العبودي بنت الرياض (2)
د. فاطمة القرني
مجلَّة اليمامة
العدد 1891 _ 29/01/2006
نفـــاق:
(حين اشتعل الممرُّ بقطيع النمل العابر بعد ضمور الشتاء، أدرك أن عامًا عريضًا مرَّ دون أن ينبت وجهه الذي حلقه الصيف الفائت!)
قلة نادرة من المبدعين تنجو من الندم على التسرع في إصدار كتابها الأول، سهام _ بالتأكيد _ واحدة من أولئك المتمكنين الذين أطلُّوا علينا بكامل الألق، وغاية الجمال!
سهام أمتعتني وأدهشتني ليس فقط لأنها كتبت في فن جميل خبا أو كاد..، تحت اندفاع سيل الرواية «الزائف» في كثير من انعكاساته، وإنما لأنها حافظت على ثبات مستوى النضج الفني في كلِّ قصة من قصص مجموعتها العشرين، لا تذبذب.. ولا تباين، كلها تتضافر في الارتفاع بك إلى درجة راقية من مهارة التشكيل و«حرفية» الأداء، وإذا كانت لدينا مجموعة من الأسماء المؤثرة التي تشارك سهام في إجادتها لكتابة «القصة القصيرة» فإنني أراها تنفرد إلى حد كبير من كل من قُدِّر لي الاطلاع على نتاجاتهم، سعوديين وعربًا، في لغة إبداعها للقصة القصيرة جدًّا، أو ما يُرمز إليه اختصارًا بِـ «ق.ق.ج».
مؤخرًا.. بدأ الاهتمام بهذا الفن العصيِّ يتزايد، ولعل الوسط الثقافي السوري هو أشد أوساطنا احتفاءً به، هناك لجان مختصة وملتقيات تُنظم، واحتفالية بكُتَّابه ونُقَّاده بوتيرة مستمرة تستحق الإشادة(2)، وقد سعت دراسات كثيرة لتحديد عناصر هذا القالب وتأطيره، وانتهت إجمالاً إلى أنها تجسيد لتكاملية عناصر القصة القصيرة المعروفة ولكن في أضيق أضيق نطاق: التقاطًا للفكرة، وترميزًا عنها و«قفلة» أخاذة لحال السرد المكتنز فيها، المتكئ في كل هذا على ما يُحدثه حس «المفارقة» من فاعلية التضاد وحركيته التقابلية والمتقاطعة في الوقت نفسه،.. سهام.. بنت الرياض.. التي تدرك كم هو المطر ضنين فيها.. مهما انهمر.. ومهما أغلق المخارج.. وأغرق «النافذين»..، تُحسن الجري.. تُتقن التقاط الهارب من تجليات خيباتنا التي لم نعد _ لطول اعتياد _ نقاومها.. أو حتى.. نستشعرها!!
«انزلاق» _ «تمثيل إيمائي» _ «حُفاة» _ «قشر موز» _ «خيبة»_«نفاق»،.. هذه هي عناوين القصص الست التي أوردتها في سياق حلقتيِّ هذا الموضوع، والعنوان في الـ «ق.ق.ج» ركن مكين يعتمد عليه كامل بنائها إذْ يستعصي دون تأمله الولوجُ إلى عالم النص، تمامًا.. كالأثر الذي يُحدثه في البناء الناجح للقصيدة القصيرة جدًّا التي اصطلح على تسميتها بـ «المقطَّعة»، هو تحديدًا مُعينٌ إشاري لحل معضلة الإلغاز والترميز في الجيد من نماذج هذا النوع من القص، وابتداءً من «العنْونة» يستبين المتأمل أنه أمام مبدع حقيقي جاد ومخلص في ممارسته الإبداعية، لا يستسلم للذة غيابه في دهشة الالتقاط، إلاَّ بالقدر الذي «يشعل» وعيه الخلاَّق، ويُمكِّنه من تجسيدها _ كونًا فنيًّا _ بالصورة الأخاذة الكفيلة ببعث هزة الإدهاش نفسها في المتلقي،.. ومن العناوين، ..وإلى متن النصوص... نجدها تتماثل كلها _ أو تكاد _ في موضوعها، وهو لفْت الانتباه إلى مكامن «الوجود» النابض في كثير من صور «الإغفال» القاتلة في حيواتنا، ولكن القاصة _ وهذا هو المذهل الأبرز في المجموعة _ ملكت من جرأة الاقتناص وحرفية اللغة ما فتَّق بصيرتها على خلفيات إنسانية متنوعة يمكن القبض عليها بحنو، واستقطارها، و..إعادة تشكيلها برهافة فاتنة لتأكيد الموضوع نفسه،.. أما فاعلية «المفارقة» في نصوص المجموعة، فإضافة إلى استمتاعي بعبثية توقعاتي الخاصة بشأن ما ترمز إليه كل قصة، فإن ما ظفرته من تعليقات طالباتي _ وكنت قد أدرجت بعض نصوص المجموعة في الجزء التطبيقي لمادة «فن القصة» التي أُدرّسها لهن، _.. إن ما ظفرته من مغانم ترحالهن في ثنايا سطورها أكَّد لي كم هو متسع فضاء القصة القصيرة جدًّا لاستيعاب مفارقات التأويل، وكم تطمئن إجراءات «الأنسنة» فيها لسُلطة خياراتنا، وتناقضات أمزجتنا!
_ (النصُّ الجيد هو ما يُنتج من كل قارئ مبدعًا جديدًا له) ..لا أظن أن فنًّا يحدث فاعليةً خلاقة كالتي تعنيها هذه المقولة المعروفة كما تفعل القصة القصيرة جدًّا، ولا أظنني سأنصف المجموعة التي بين يديَّ لو اكتفيت بالتوقف عند ما فيها من نماذج هذا النوع، دون الإشارة _ ولو على سبيل تكاملية النمذجة _ لإحدى القصص القصيرة فيها،.. حسنًا.. لننتهي من دندنات مطر إلى:
قبضة ماء(3(
خيطُ الماءِ الذي تمادى هُطُولاً كلَّ الصيف ابتنى دائرة منخفضة من بلاط الشرفة.. ظلَّ الماء الذي يرشق خفيفًا يُذيب السخونة في ممرِّ الهطل بدءًا من الحافة السفلى للشرفة التي تعلو شرفتي حتَّى أرضيَّتي ذات النقش غير المتماثل.
يعلو سقف ضوضاء حميمة في تلك الدائرة بعد كل ظهيرة، حيث تقطر الثياب ماءها في الشرفة الحجرية، وتنسرب في المزراب المعدني، يتجلَّد الفضاء المحيط، ويتكاثف قبل أن تثقل القطرة عن احتمال الالتصاق، فتنفجر فوق سطحي مُنبتةً بحيرة ضئيلة في الظلِّ المهجور..
بالماء تنتشر الحياة في وقت لم أكن أعرف خلاله سوى ذرع الجدران بانتظار ذوبان الظهيرة المملَّة، وأنا محاصرٌ داخل شقتي التي تستلقي تحت شقَّة جارتنا العربيَّة العجوز التي دأبت منذ سكنتْ على مدِّ غسيلها فوق حبلٍ موازٍ لأصص الورد المتراصَّة على سور الشرفة الصغيرة.
قبل أشهر قليلة اكتشف حمام الحي هذا الظلَّ البارد، تمدد ريشٌ ناعمٌ تحت رشح الماء، وصارت الحكايات تنبت أمامي.. الوقت الذي بدا ممتدًّا كظلّ الغروب تآكل وانتهى تحت شمس حيَّة عموديَّة.
لا يوجد أمام جسد مرتخٍ فوق عجلتين، ومقعد جلدي وثير الكثير ليفعله، استطالة أمد الفعل يجلب نُعاس الملل للأشياء: القراءة، شيزوفرينيا الدومينو حين أجد نفسي منحازًا لظليَّ المقابل (الحرِّ الذي يمشي ويتقلَّب كالبهلوانات)، اللعبة الإلكترونيَّة، جهاز التحكم عن بعد.. كان الملل يقرض كلَّ شيء.. لكنَّ الحمام له حكايات لا تُملُّ: حين تشقّ Eالمناقير قشرة الماء، وتلتمع العيون الصغيرة بالرواء بعد أن يقرقر الماء خفيفًا في العنق الطريِّ تلك الحكاية الأبهج، يعقبه سكون ورضى، ويصدف أن ألمح زوجين مطوَّقين يتعانقان فيما يهدلان بفتنة الصوت الشجي الرخيم.
كانت الشرفة اختراعًا هائلاً وقت استلذاذي مسْرَحة الفضاء المقابل، وزمَّ طرفي الأثير كشقِّي ستارة فيما يلعب الحمام الدور الرئيس، راقصًا في حمأة القائلة على نقط الماء الرتيب.
يومان وأنا أفقد هذا الهديل، أسترقُ السمع من وراء الستارة لكن الهدوء الغامض يقذف في روعي أجنَّة شكٍّ ترعرعت حين استطال أمد الغياب..
حين اقتربت أكثر للمرتع المعهود كانت البحيرة تتآكل، تقصُّ أطرافها شمسٌ غائلة حيث لا مزوِّد يرشح في الجوار، لا سقَّاء يجلجل في حيِّ الحمام، كان هديرُ غسَّالة أوتوماتيكية مُتسرِّبٌ من الأعلى يطبق بيديه على عنق الحكايات..
هـامش:
(1) _ (3)، الأولى إحدى نماذج القصة القصيرة جدًّا، و«قبضة ماء» نموذج للقصة القصيرة، وكلتاهما من مجموعة «خيط ضوءٍ يستدق» للمبدعة سهام العبودي، واستعيدوا _ فضلاً _ إشارتي في حلقة «1» لاستقلالية النصوص وتوسط العناوين.
(2) يُعدُّ الأديب السوري د.أحمد جاسم الحسين من أوَّل من أَصَّل لهذا الفن، وكتب فيه أيضًا نتاجه القصصي الخاص، وله كتاب رائد عنوانه: «القصة القصيرة جدًّا» _ صادر عن دار عكرمة بدمشق _ عام 1997م.
http://www.yamamahmag.com/1891/19.html
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سهام العبودي في عمل قصصي جديد
(خيط ضوء يستدق) بانوراما سردية
عبد الحفيظ الشمري
مجلَّة الجزيرة الثقافيَّة
المجموعة الجديدة للقاصة سهام العبودي وسمت بعنوان (خيط ضوء يستدق) وهي بهذا العنوان تذهب إلى تمثل هذه الرؤية المواءمة لكوامن الدقة والتناهي غير المخل في عرض الحكاية تلو الأخرى مراعية بذلك أهمية أن تكون اللغة متفاعلة مع ما ترومه الكاتبة من خلال دفعها لهؤلاء الشخوص الذين يجوسون أرض السرد لتلك الحكايات التي تتكثف على شرفة ذلك الماضي الذي تنهل منه الكاتبة.. فالشخوص هنا سحنهم قديمة، وحكاياتهم معتقة إلا أن لغتهم تفاعلية تحكي دهشة الجديد بذلك القديم.
تعمد القاصة سهام العبودي إلى عرض بانورامي شيق لأحداث عبرت بدهشة إلى آخر نقطة في الوجدان، والمخيلة لا سيما ذاكرة الطفولة لديها.. تلك التي اكتنزت العديد من الصور الإنسانية المعبرة على نحو قصة (خيط ضوء يستدق.. أو الجريد) الذي استهلت فيها الكاتبة مجموعتها، بل وحملت اسم العمل.. هذه القصة التي تعيدنا إلى الوراء، نحو حقب غابت مع الماضي، وإن كان لها وجود الآن فلا يعدو كونه لمجرد المحاولة للتذكير بأصل الأشياء وفصلها..
فقصة (الجريد) هذه تصوير لدهشة الراوي لتلك البراعة التي تقوم فيها المرأة التي تعد (سفرة) طعام مدورة من الخوص أو الجريد، فالعمل رغم مشقته إلا أنها تصوره على نحو شيق بعكس الإعجاب الكامل ببراعة هذه المرأة العصامية الماهرة والمدربة بفطرية وعفوية على تقديم ما لديها على نحو جميل ورائع..
في القصص الأخرى التالية لقصة الجريد تداوم الكاتبة سهام العبودي على اقتفاء حساسية الخطاب الاستنطاقي للأشياء الدقيقة حولنا.. تلك التي تواربها لنا دائما بكان يا ما كان المشرعة دائما على الماضي على نحو تفاصيل قصة (تواشح) في المجموعة..
يعمد رواة القصص في المجموعة إلى استنطاق الصور المتناهية في الدقة على نحو مشهد (نفاق) في القصة القصيرة جدًّا.. تلك التي اعتمدت على الومض السريع لتصوير مشهد النمل الذي تذكرنا سيرته بحياتنا كاملة غير منقوصة.. بل نراهم وقد أدركوا في كل مشهد يروونه، أو يصورونه أهمية تقديم شيء شيق يخرج الحكاية من مجرد كونها حكاية إلى عالم من التخيُّل والإفضاء للآخر بما تكتنزه الذاكرة الحكائية من أسرار عذبة، ورؤى مختلفة تستحق التأمل والإنصات لهؤلاء الحكائين المفوهين ببراعة المنطق.
تأتي قصة (مثلجات) رؤية متوامضة تعكس في بريقها تلك الأماكن القديمة في ذاكرة الراوي.. حينما يطل وجه (مريم) القديم من بين هالات الماضي المتمثل في تلك الدروب الترابية الملتوية والتي كأننا سرنا يوما بمحاذاتها مع صديقتها التي تتأملها الآن مستعيدة تلك المشاهد المغادرة نحو الماضي، لترسم لنا صورة (مريم) التي كانت تميل إلى التجارة حتى أصبحت إلى لحظة المقابلة مشغولة بأمر تجارتها التي تحولت الآن عن ما كانت عليه في الماضي تلك المتمثلة بدهشة الطفولة وولعها بمثلجات التوت التي حاولت (البطلة _ الراوية) أن تسألها عن سر ذلك الطعم الفريد لقطع ماء التوت المثلج لكنها تجبن، لتحيله إلى حديث داخلي يقارن بين رائحة العطر ورائحة الطفولة.
ترتكز فعاليات سرد القصص لدى سهام العبودي على قاعدة الحكاية الإنسانية القديمة.. تلك التي تحاول دائما ومن خلال سردها، ولغتها الحية أن تقدم لنا خلاصة حكاية طويلة يعيشها الإنسان على نحو قصة (اثنان وسبعون مترًا مربَّعًا.. حيث يعمد البطل إلى تقديم رؤية مقتضبة ومكثفة عن معاناة يومية لرجل يذيب جليد ضجره على هذا المقهى الذي يستحيل إلى موقع أو مكان مناسب لإحداث رواية ممكنة، إذ تبرع القاصة سهام في محاولتها التقاط هذه التفاصيل الحميمية ليوم كامل يداوم فيه الرجل الذهاب والإياب بين المقهى ومنزله.
فكل قصة من قصص هذه المجموعة تكون فضاء ممكنا لقيام سرد روائيًّا يؤصل حالة الحكاية المكثفة للمكابدة اليومية.. تلك التي تصلح لأن تكون وعيًا عامًّا بخطاب اجتماعي يستحق التدوين، والتأمل على نحو هذه المشاهد التي تقدمها (الكاتبة) كجزء مهم من رسالتها الإنسانية التي تستحق التسجيل لا سيما إذا كنا معبئين بشوق غامر لتلك الحكايات الوجدانية التي تسكن هواجسنا نحن أبناء الريف الذين تركناها لموجات الفراغ والغياب والإجداب العاطفي الذي ظل لعقود يشدنا إلى تلك العوالم الريفية المتناهية في بساطتها وإن حملت ألماً، والموغلة في عفويتها وإن سارت بمحاذاة الفاقة والعوز.. إنما هي محاولة من الكاتبة أن تسترد بعض تلك التفاصيل وهي عبر هذه المجموعة تبرع فعلا في استمالة ما يمكن استمالته من حكايات شيقة.
إشارة:
* خيط ضوء يستدق (قصص)
* سهام العبودي
* الأردن _ عمان _ 2004م
http://www.al-jazirah.com.sa/culture/26112007/nsuas52.htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنتاج الدلالة السردية في " خيط ضوء يستدق" للقاصة سهام العبودي
قراءة : عبد الله السمطي
جريدة الجزيرة
الأربعاء 07 جمادى الآخرة 1429 العدد 13040
تستهل القاصة سهام العبودي مجموعتها القصصية :" خيط ضوء يستدق" بقصة ذات دلالة إنسانية وجودية عميقة، ترتكز في تقديم عناصرها التأويلية على ما يكنزه الوعي الإنساني من حالات للمعرفة، ومن نهج لتلمس الأشياء، واستبطانها.
ففي هذه القصة التي تتصدر المجموعة نحن حيال سؤال الإنسان حيال أشياء الوجود، حتى وإن انطلق من المكونات الصغيرة البسيطة للتعبير عن ذاتيته وفردانيته، في القصة التي تحمل عنوان:" خيط ضوء يستدق .. أو جريد " والتي اشتق منها العنوان الكلي للمجموعة.
في هذه القصة التي تسم شخصية الجدة التي ضعف بصرها إلى درجة أنها لم تعد تبصر ، ترسم القاصة بشكل شفيف كيف تتعامل الجدة مع صناعتها البسيطة ، بحنكة ودربة وكأنها لم تفقد بصرها، تظل للأصابع ذاكرة، إنها ذاكرة المرئي والمحسوس معا، التي تنسج من جريد سفرة أنيقة ، بشكل فني مجدول:" لا تنبس يداها في الضحويات الواسعة سوى عن هتاف أصابعها بتسبيح دافىء، أو اخضرار باهت ينساب بين بلح يديها المخضَّبتين .. يمتد جدائل عريضة تُخاتلها شرائط الكتان الجهيرة الألوان بحيث لا يبدو الجريد متوحدا تحت الضوء، وإذا استطالت الجدائل بقدر كاف عادت تعقصها دوائر ملولبة متحاضنة يُنشب رأس السفلى في قعر العليا مخلب من جريد حاد، وهكذا حتى تناديني لأحمل نتاج الضحى : سفرة أنيقة من الجريد.. كل هذا وهي لا ترى، تنبس يداها سفرا تكفي الحي كله، وتنبس شفة حيرتي " / ص.ص 5_6
إن العلاقة هنا كما تحددها القاصة هي علاقة تأمل وتساؤل وبراءة، من جانب الطفلة إزاء الجدة، هذه العلاقة التي تترى في فضاء من اليقين البريء، والتساؤل الدائم عن الكيفية، والماهية : كيفية نسج الجريد، وماهيته، من جانب الجدة التي لا تبصر، هذه هي الحركة الجوهرية التي تنسج حدث القصة برمتها، وهو ما دفع القاصة لأن تلوح في البداية بهذا السؤال :" كيف يمكنها جدل الجريد، وترتيب هذا النسيج وهي لا تراه؟ " ، وهنا تقرر الساردة التي تعود إلى زمن الطفولة ، هذا التقرير:
"هي تعرف أن لا شيء يعنيني هنا سوى جريدها، تتعمد أن تبالغ في مهارتها، وأنا أطوف بإصبعي على الدوائر الناتجة، المتقنة، حيث تموت الحواف، وتدفن البداية رأسها في رمل النهاية، قالت أخيرا: إنها لا يمكن أن تفقد الإحساس بالجريد، حيث يكون هو كل شيء، حين استدق ضوؤها، كان ينحر عن سماء تتكشف بين جريد يتقاطع، عن مدى لا متناه من الأخضر" . ص 6
ويظل التأمل والتساؤل مطروحا في هذه الأسطر الكثيفة، التي تعبر عن حيرة تأويلية لا حيرة يقينية من جانب الطفلة، ولنلحظ التضاد الزمني بين زمن الطفلة، وزمن الجدة التي ورثت هذه الصناعة البسيطة أيضا عن جدتها، وكأنه حوار زمني متواصل ، وتنتهي الساردة في القصة إلى مطلق الدكنة الناجم عن عدم الإبصار ، إلى أخضر لا يرى، يشكل العالم الغائب، اللاحسي للجدة يتجلى عبر البصيرة :"اليوم لا أعود لسؤالها، أرقب جدتي تجلس في صدر مجلسنا، تمدُّ الجريد، وتسرح في أفق أخضر لا نراه" / ص 7
إنه أفق البصيرة الذي لا ينتهي، ولا يحد، تتركنا عنده القاصة، لنتأمل معها، وننهي تساؤلاتنا صوب يقين شفيف.
تنتقل فضاءات القصص القصيرة في المجموعة إلى سرد الميتافيزيقي، وحكايات الجن، التي تترى في عالم الصحراء كما في قصة:" تواشج" ، ثم التعبير عن اليومي ، وحالة الضجر والسأم في تأمل الأشياء، كما في " قبضة ماء" و" خدعة" أو التعبير عن حالة يتفتق فيها الوعي الوجودي للإنسان، والنهاية المحتومة بالموت كما في " اثنان وسبعون مترا مربعا" و" جريمة رخوة" .
إن التنوع الدلالي الذي تبرزه قصص المجموعة، يتجلى في جملة من التخالفات والتقابلات التي تصنع صيرورة الحياة، ففي ظل هذه الأفق المتضاد، تنبعث التصرفات والمواقف والتجارب الإنسانية التي تنبثق في الذوات المتعددة وتصرفاتها حيال الأشياء، وهنا فإن سهام العبودي لا تنقل لنا هذا التنوع بلغة سردية مباشرة، بل تحتفي بالكتابة المكثفة، واللغة السردية المشعرنة خاصة في المشاهد الوصفية، لا لكي تقدم نماذج وصفية شعرية يمكن اقتطاعها خارج النصوص، بل لتعمق الفعل النصي جماليا، وتعطيه أبعاده الأخرى، إلى حيث تقودنا هذه الأبعاد إلى تلقي العمل القصصي من خلال تأويله، وإعادة إنتاجه قرائيا، والتواصل مع الجمالية السردية في النصوص، لا التواصل المباشر مع الأحداث أو الشخصيات بالضرورة.
بنية الشكل :
تراوح سهام العبودي بين نمطين من البنى القصصية، تتمثل في كتابة القصة المركزة التي ترتكز على تكثيف السرد ولغته، والاعتماد على التجريد الشاف بديلا عن التفاصيل، وهي لذلك تحتفي بالجوهر الدلالي للنص، وتقديم بؤره الترميزية المخايلة، نزوعا للدخول في منطقة التأويل، لا منطقة الإخبار والتعريف.
ولقد جاءت قصص المجموعة في سياق نمطين:
_ الأول : القصة القصيرة المعهودة ، بتراتبيتها السردية، حيث تحتوي المجموعة وفق هذا النمط على 11 قصة.
_ الثاني: القصة القصيرة جدا التي تتراوح في هذه المجموعة ما بين سطرين كما في قصتي:" تمثيل إيمائي" و" قشرة موز" وبين أربعة أسطر كما في بقية القصص السبع التي تضمها المجموعة.
إن القاصة تقدم قصصها في هذه المجموعة بشكل طريف، حيث تأتي القصة الطويلة، تليها قصة قصيرة جدًّا، وهكذا حتى نهاية المجموعة، وربما يعبر ذلك عن فضاء مكاني _ دلالي يعطي أن القاصة تقدم النص وظله، أو النص واللا نص _ إذا جاز الكلام _ ، نص ذو بنية مكتملة مفتوحة على التأويل، ونص آخر قصير جدا، يمثل ومضة سردية فلاشية، تترك للسؤال مطلقه، لكنها لا تفي بتأويل متكامل.
إنه الجدل الشكلي الذي يفرضه النص_مكانيا_ عبر جماليات المطبوع، أو جماليات الصفحة السردية القصصية.
هذا الجدل الذي يبقى الأسئلة التأويلية قائمة لا على النص فحسب، بل على عتباته أيضا_ بتعبير جيرار جينيت _ إنه يقدم النص، والميتا_ نص معا.
إن السؤال الذي يمكن طرحه تلقاء النصوص القصيرة جدا في المجموعة، لا يتجلى بالضرورة في هذا البعد الشكلي للنصوص، بل في بعدها الدلالي، ذلك لأن المكون الشكلي للنصوص لا يند كثيرا عن استثمار آليات التكثيف، والتجريد، والدمج، والمفارقة، والتركيز على البنى اللغوية، فيما تفتح هذه النصوص عبر هذا المكون فضاء دلاليا ثرا مدهشا، ولنتخذ بعض النصوص كنماذج على هذا الأثر الدلالي الذي تحدثه مكوناتها الشكلية:
تمثيل إيمائي
ظل منحنيا لوقت طويل في انتظار التصفيق .. قبل أن تضيء الصالة على جمهور من العميان..!! / ص 8
ملل
أذكر أن الأشياء التي رتبتها لعقلي قد استعارتها الجارة لتمنح ضحويتها نكهة خاصة، وتركتني وعقلي.. يجرب أحدنا تقليد بكاء الآخر وقت الملل!! / ص 15
صيفٌّ خاص
بلَّل أطراف عقله (حيث يصطخب صيف في الجوار) بذكريات باردة، شبت أعاصير تنهدات حين اصطدمت الجبهتان.. / ص 19
حفاة
حين احتفل الناس بطي حقبة الحفي في البلدة، كان صانع الأحذية الذي ألبسهم يرفع رأسه للمرة الأولى، لحظة رأى الناس أنفه الضخم المليء بالدمامل خرجوا من الباب، ونسوا أحذيتهم.. / ص 36
قشر موز
لم يصل بعد، ولن... على ما يبدو، مر وقت طويل قبل أن يدرك أن قشر الموز كان يُلقى عمدًا في طريقه إليهم.. / ص 62
تتمظهر في النصوص الخمسة جملة من الدلالات المحتملة التي يمكن أن تتقاطع، تتماهى، وتتخالف في صيغتها الأولية، لتشكل وحدة كلية ما للنسق القصصي ، فالمفارقة تؤثر هنا بحضور موقفين متضادين، ينقلان المعنى السردي من العادي إلى المثير، ومن حالة اليقين إلى حالة التساؤل، ومن الحالة الأخرى تبدأ فعالية الدلالة التي تهدف إلى إيقاظ المتلقي، وإلى تحقيق شك التلقي وجدله في النص، مما يحفزه لقراءة النص غير مرة.
تظل النصوص في تدويمها الدلالي من حيث الفعل ورد الفعل، فالبطل المسرحي ينتظر التصفيق، حالة الانتظار والعتمة هي حالة قلق، يفاجأ بحالة أخرى أكثر ريبة وقلق وهي "جمهور العميان" ، إذن فإن عرضه لم يشاهده أحد، هنا نوع من النفي للطرفين معا، المُشاهَد والمشاهِد، هذا النفي هو مكمن المساحة التأويلية التي يفجرها النص كاحتمال تأويلي قريب وبعيد معا، بدءا من الدلالة التأويلية الأولية للنص، حتى علاقة الإنسان بالحياة نفسها. هل الفن لا يرى، لا يشعر بتأثيره أحد؟ هل هذا العرض الإنساني مؤقت يعبره الزمن، وتتناساه الحياة، ولا تبصره. قد تمتد المساحة التأويلية الدلالية للنصوص إلى مساحات شاسعة، وهو ما يتجلى في هذا الاحتدام العقلي ، في قصتي:" ملل" و" صيف خاص" وفي هذا الضجر الدائم الذي يغلف القصتين، من البحث عن الفكرة ونقيضها، من موت الفكرة وإحيائها من جديد.
وتتجلى المفارقة بشكل حاد مسنون في قصة :"حفاة" التي ينم فيها التعبير التالي:" كان صانع الأحذية الذي ألبسهم يرفع رأسه للمرة الأولى" عن ديمومة العمل من قبل صانع الأحذية إذ لم يرفع رأسه أبدا إلا بعد أن انتهى من صناعة الأحذية للجميع، الذين استنكروا منظره بعد ذلك، ومن شدة هذا الاستنكار:" نسوا" أو " تناسوا" أحذيتهم عنده، وعادوا إلى حقبة الحفي من جديد، إنه جزاء سمنار بمعنى ما، فهذا الوقت المديد الذي قطعه صانع الأحذية في نقل ناس البلدة من مرحلة لأخرى، تم تناسيه، وتم هدمه من مجرد النظر إلى الشكل لا الجوهر، في التأويل البعيد قد نقول : إنها عبثية الحياة، وسخريتها، ومفارقتها معا التي تستمر أيضا في قصة "قشرة الموز" من التأجيل والارتقاب ، واللعب بالزمن إنسانيا ووجوديا.
إن المغزى الدلالي التأويلي الذي تمنحه قصص سهام العبودي القصيرة جدًّا، لا يتمثل في كونه تلتقط بعض المشاهد العابرة فحسب، أو المشاهد التي تحتفي بها في الذاكرة ، لكنها تعمل على تحويل هذه المشاهد إلى بعد فني ينطوي على حالات، وتجارب، ومواقف تتزيا بثرائها الدلالي، وتكتسي بحسها المترع بالأسئلة. إنها قصص الهاجس، والشك الإيجابي، والجدل مع الذات والعالم.
ثنائية : الضوء/ العتمة
الدالة الجلية التي تتمظهر في سرد سهام العبودي تترى في أفق ثنائية: الضوء/العتمة، إنها دالة مهيمنة ، وذات وظيفة تشكيلية تبرز لتعميق الوعي الإنساني المتسائل، وتجوهر فعالية دلالية من أبرز الفعاليات في السياق الأدبي الإنساني.
تتبدى هذه الدالة بشكل متواتر ، بداية من النص الأول للمجموعة :"خيط ضوء يستدق .. أو جريد" والنص الثاني :"تمثيل إيمائي" والنص الثالث:"تواشج "
وفي قصة:"ظل منكس" تقول القاصة "حين يسلك إيابه قبل تلاشي النهار، تلاحقه الشمس، وترسم في طريقه ظلاًّ منكَّسًا، يركله وهو بعد لا يعرف: الضوء يبحر في ماء معلول بالنكوص، أم هو ظله الذي عشي عن ضوئه؟؟" / ص 24
و "يعهد بنا الليل إلى نهار مبدوء بعربة مائلة إلى جهة، ويسلمنا النهار إلى ليل يلغط بأمنيات لا تجود" / ص 26
وفي نص: "اثنان وسبعون مترا مربعا" تستهل القاصة نصها كالتالي :"يفضح قلمه الواقعَ في المكان الأكثر عتمة .. المكان الأكثر عتمة من المقهى، نهار كل ثلاثاء ينحدر هنا، ويسحب من تعب المارين والرواد هواء لناره الصغيرة" / ص 37
وفي قصة:"انزلاق"
"كان السقف يحتضن طوال الليل مخاض أفكاره، الفقاعات الناشبة في سماء الغرفة بعضها لا يحتمل سُمية الفحوى، حين أوشك أن يبدد الظلام بشرع النافذة للصباح ، تعثر في فكرة دبقة..!!" / ص 57
وتتواتر هذه الثنائية في سياقات نصوص مثل : "خدعة" و"تلفيق" وبمعنى ما جلي أو خفي في سياقات أخرى، إذا ما أولنا بعض هذه السياقات كما تبدى في بعض النماذج السالفة التي عرضنا لها بتركيز من النصوص القصيرة جدًّا.
إن الوظيفة الدلالية الأكثر دهشة في هذه الثنائية المتواترة لدى القاصة تعطي أن القاصة تكتب الضدين، أو لنقل إنها تعبر عن الأبعاد الإنسانية بطرفيها، بضوئها وظلها، بلا وعيها ووعيها، بحضورها وغيابها، ولن يأخذنا الاستطراد هنا عن البحث عن دلالات الضوء/ العتمة، قدر ما تدلنا القراءة على الوظيفة التأثيرية لهذه الدلالات داخل النصوص .
إن هذه الثنائية الوصفية_على الأغلب_ داخل العمل القصصي، إنما تهبنا البحث عن هذه الضدية أو التكاملية، كما أنها تقفنا على التوازي الزمني بين لحظتين، إحداهما جلية وضيئة، والأخرى خفية معتمة، وكأنها ترقب عالم الوضوح وعالم البصيرة ، وحضورها بهذا الشكل الجلي إنما يؤكد على أن القاصة تدفع بهذه الثنائية بشكل قصدي، لا تصوغه فحسب قصدية الكتابة، وإنما تصوغه قصدية الدلالة.
إن ثنائية بهذا المعنى تبدأ من تسمية المجموعة، وبغلافها الأسود الذي يتوسطه مربع أبيض مضيء، ولا تنتهي بما تنطوي عليه القصص من ذكر وحذف عباري لها، إنما يعطي للاحتمالات التأويلية لهذه الثنائية أبعاده الدالة، ويؤكد_بمعنى ما_على أن القص ، وتجريبه الدائم لا يقف عند ما هو مكتوب فحسب، بل عند ما هو محذوف غائب أيضا.
إن سهام العبودي منحتنا في مجموعة:"خيط ضوء يستدق" مساحة من السؤال، ومساحة أخرى من التأمل، وتتبع الأبعاد الدلالية للنصوص، وهي أبعاد تجلت بسبب من تميز النصوص بالكثافة، والتجريد، والتخلص من حكي الحكاية بأسلوب تسجيلي، والوقوف عند المغزى العميق في تمظهر خصب للسرد، وفي لغة تسعى لتعميق ما تحمله من رؤى دلالية، ومن تجارب خصبة متنوعة.
* صدرت المجموعة في عمان – الأردن 2004م
http://www.al-jazirah.com.sa/227168/cu5d.htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقاربة
سهام العبودي تصف (ظلُّ الفراغ) سردًا:
للتكثيف السردي والاقتضاب اللفظي حضور واضح
عبد الحفيظ الشمري
سعت القاصة سهام العبودي في مجموعتها الجديدة (ظل الفراغ) إلى استشعار أهمية التكثيف والاقتضاب في بناء مفرداتها السردية التي تومئ للأحداث على نحو حاذق، لكي تصل الفكرة المطلوبة إلى هدفها دون إطالة حكائية، أو ترهل لفضي.
عُنِيت الكاتبة في مجموعتها الجديدة بتفاصيل السرد الهادف لفكرة الومض المتأنق الذي يظهر الحكاية تلو الأخرى مسكونة بجنون المشهد الأليم تارة كما في قصة (روتين) حينما تعبر الطفولة في شقيها (الصبيان) و(الصبايا) نحو اليفاعة والنضج، وتارة في تلك المرأة التي تقبع على حافة النافذة لتجسد ضجرها جراء منغصات كثيرة أهمها الفراغ والبطالة والضجر.
في قصة (وجهان) رسم سردي متقن برعت سهام في دوزنة توليفته حتى بات الفراغ متناغمًا بين النقيضين وهما: حالتا (التعالي) و(الوضاعة) في مشهد الحياة في ديباجة حديث الحارة القديم حيث استطاعت الكاتبة جسر هذه الهوة بين حالتي الرجل الذي يبدو للرائي بصورتين أمام العالم كبير مارد، ومتوحش مخيف، إلا أنه لا يلبث إلا وينهار في خباء وحدته، ليبيت في سريره كطفل يمص إصبعه.
فالقصة قياس واقعي فطن يوعز للذائقة أن تتفتح على معطيات عجز الحياة عن مجاراة التحول النوعي للناس الذين يظهرون بعدة صور حتى أنك قد تحتار في مثل هذه الصور لدى شخصية القصة فأي الوجهان هما الحقيقي في هذا الرجل.
تستحضر الكاتبة سهام صورًا إنسانية شتى على نحو سيزف في قصة (إرث) وقبله سويد بن أبي كاهل في نص (شراك) فهذه الصور التي تتساوق ظلت تومض إلى وجود حقائق لا بد من مكاشفتها كحالة واقعة لا بد لنا الإذعان لتفاصيلها على نحو نهايات الطغاة في قصة (تدوير) التي تشير تفاعلتها السردية إلى حقيقة الخطر القائم من هؤلاء الذين نسمع دائمًا أنهم ذهبوا إلى مزابل التاريخ، إلا أنهم يعودون (مدورين) كما تقول القصة وهم أكثر أذى.
فنص أو قصة (تدوير) حقيقة جاءت على هيئة ومضة عالية من النقد اللاذع، وفرصة بوح واعٍ يسكن هذه الكاتبة التي اقتنصت هذا المشهد القوي والمؤثر حيث لا نجد للشر والطغيان أي نهاية، فكلما نُسِفوا ونُزِحوا نحو مزبلة التاريخ تظهر التكنولوجيا بدهاء مخرب لتقوم بطريقة أو بأخرى بتدوير هذه المسوخات التي كدنا أن نحسبها من ركام الماضي إنما نجدها باتت مهيأة لأن تظهر من جديد كحالة من البلاء المستعصي على الحل.
فرغم ما أومأت إليه القاصة النابهة في نصها القصير من أن الطغاة لا يموتون أو يفنون حتى وهم في مجمع النفايات إلا أنها ظلت على توافق مع الأمل حينما أشارت قبل الخاتمة إلى فئة (التائبين منهم) حينما يقدمون حياتهم الجديد قربانـًا لآثام ستقع.
القصص المتوامضة في هذه المجموعة تثير جدلاً استدلاليًّا جميلاً حول قيم ومعانٍ ظلت لعقود بل وقرون صلدة وجامدة وشبه أيقونات متحجرة لا يقوى أي نص أو فعل معرفي مناجزتها وكشف سوأتها، إلا أن نصوص مجموعة (ظل الفراغ) برعت في اقتفاء حساسية هذا الخطاب لتنال منه في النقد اللاذع، والتأمل السردي المدهش الذي يلخص ما هو سائد ليظهر للقارئ بوصفه حالة قابلة للنقاش.
فهوية النصوص في هذه المجموعة واضحة، إذ تتكئ الكاتبة سهام على حقيقة مشروعية الطرح المعبر عن فكرة القياس أو المقاربة بين حدث آني نعيشه الآن، وبين سلطة حكاية قديمة تتوارد فيه الكثير من الشواهد، لتكتسب النصوص من هذه المقاربات الذهنية هوية النقد أو كشف الحقيقة التي تتمترس عادة خلف سياجات الماضي، فلكل نص أو حكاية أو قصة هويتها التاريخية المتدرجة من الدار القديم، ومن الشارع المغبر ومن الحي القديم ببيوته المتطامنة ومن ثم الماضي وما يحويه من صور شتى، فالكاتبة نزعت إلى الإيحاء بتجسيد حقيقة التقاطع بين الواقع وكل ما هو ماضوي لتسند للشخوص إمكانات البوح بما لديهم من رؤى وتجليات تتسم بالوعي.
خرجت مجموعة (ظل الفراغ) القصصية بإشارات وعي واضح، وبنقد يكاشف ويقارب بهدوء وتلقائية دون حاجة للإطالة واستدعاء الأمثال والصور والمواقف فاللحظة الاستشرافية للحالة الإنسانية هي أبرز ما يحدد هذا التوجه للكاتبة في نبشها للخبيء من الصور، وتفتيشها عن جوهرة الحقيقة بين ركام الحكايات المتعاقبة منذ الأزل.
الجزيرة الثقافيَّة
http://www.al-jazirah.com.sa/culture/2010/11022010/srd48.htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حمل لي بريدي الإلكتروني رسالة من الراحل أستاذي الدكتور: حسين علي محمد بتاريخ 5/6/1431هـ، يحيلني فيها على رابط هذه القراءة، البريد ذاته حمل لي بعد أشهر قليلة نعيًا وعزاءً من العزيزة: رسميَّة العيباني في رحيله المفاجئ.. غفر الله للدكتور حسين، وأسكنه فسيح جناته..
قراءة في مجموعة (ظلُّ الفراغ) للقاصة سهام العبودي
بقلم: أ. د. حسين علي محمد
صدرت عن دار المفردات بالرياض المجموعة القصصية الثانية للقاصة السعودية سهام صالح العبودي، وتتضمن المجموعة واحدًا وخمسين نصًّا قصصيًّا قصيرًا جدًّا تحت عنوان (ظل الفراغ)، وتأتي النصوص في سبعين صفحة من القطع الصغير. وكانت قد أصدرت مجموعتها الأولى سنة ٢٠٠٤م بعنوان (خيط ضوء يستدقُّ)، ونلحظ في المجموعة التكثيف، والمفارقة، والتناص.
ومن التكثيف ما نلمحه في أولى قصص المجموعة وعنوانها (ضلال)، وهذا نصُّها: "اعتاد منذ ابتسمت له أول مرة أوصل فيها فاتورة الكهرباء إلى منزلها أن يترك لها وردةً عند الباب قبل أن يُغادر، ومنذ ابتسمت أول مرة لموزع فاتورة الماء اعتاد أن يخطف الوردة ذاتها من عند عتبة الباب، وهكذا مرَّ الأمر: لم تستلم وردتها قط، ولم يتنبَّه أحدهما إلى أنهما يتبادلان بوردةٍ ضالة أكبر قدر من سعادة تسبب بها سوء فهم على الإطلاق"(1).
في هذه القصة نرى التكثيف في تقديم حدث الضلال (الذي احتلَّ العنوان) من خلال سوء الفهم غير المقصود، الذي يجعل الشخصيات تعيش حياةً وشعورًا غير حقيقييْن، بسبب ضلال الوردة، وعدم وصولها إلى هدفها، فالمرسل الأول ضلت هديتُه المعبرة عن شعوره وعاطفته، ليستقبلها من يظن أنها قُدِّمت إليه! ويشعر الرجلان بالسعادة، بينما المرأة بعيدةٌ عن الموضوع، ولا تدري شيئًا عنه.
وهكذا يتبدّى لنا الوهم صانعًا لحقيقة خادعة، ومثيرًا لمشاعر وجدانية غير حقيقية، طرفها الأول الرجلان: موزع فاتورة الكهرباء، وموزع فاتورة الماء. والطرف الثاني المرأة التي منحت الشخصين قدرًا كبيراً من السعادة دون أن تدري، ودون أن تكون طرفًا في اللعبة. والرجلان "لم يتنبّه أحدهما إلى أنهما يتبادلان بوردةٍ ضالة أكبر قدر من سعادة تسبب بها سوء فهم على الإطلاق!!".
وهكذا يكون سوء الفهم صانعًا للمفارقة في هذا النص المكثف، الذي تدور فيها الوردة دورتها الناقصة بين (ترك الوردة) من قبل موزع فاتورة الكهرباء و(الخطف) من قبل موزع فاتورة الماء! ويمنحنا الفعلان (ترك) و(خطف) مساحة كبيرة للتأمل في مسيرة الحياة، عند المحبين ـ وعندنا نحن المتلقين أيضًا ـ ما بين التخلي والترك، والخطف (الأخذ بدون وجه حق). وما بين الترك والخطف، لا يُمكن أن نجني سعادةً حقيقية، أنرى تشكُّلَ حياةٍ حقيقية لها أساسها أو كينونتها ـ البصيرة ـ في الواقع المعيش.
والقصة تكشف من خلال التصوير الموحي في تكثيفٍ قادرٍ على البوح، قدرةً فنيةً لافتةً لقاصة مبدعة تستخدم المفارقةَ طريقاً لإبراز المدلول.
وكنا قد رأيْنا من أمثال هذه القصص التي تعتمد على المفارقة التصويرية في مجموعتها السابقة ـ قصة (تمثيل إيمائي)، ونصها: "ظل مُنحنيًا لوقتٍ طويلٍ في انتظار التصفيق.. قبل أن تضيء الصالة على جمهور من العميان"(2).
إن البطل الذي قام بالتمثيل الإيمائي ـ وهو فن يعتمد على رؤية المتلقي البصرية ـ لا بد أنه قام بدورٍ لافتٍ جميل، ولذا ظل منحنيًا لوقت طويلٍ في انتظار التقدير الذي لا شكَّ أنه سيلقاه من جمهور المتفرجين، ولكنه لم يظفر بشيء؛ فقد كان الجمهور من العميان، ولذا لم ينظر جودة أداء الممثل الإيمائي. وفي «جمهور من العميان» ما يشي بالنهاية السيئة التي نالها المؤدي وهي عدمُ تقدير فنه، لعدم وصوله إلى جمهوره الذي يُقدِّره.
والقصة هنا مبنية على المُفارقة، حيثُ أن البطل ـ المتحدث أو الزعيم أو الممثل ـ ينحني لجمهور مشاهديه، ليظفر منهم بالتصفيق، ولكنهم لم يُشاهدوه ولم يحسوا به، لانعدام حاسة الرؤية لديهم!!، وهو ـ أيضاً ـ يجب أن يُلام على غفلته وعدم معرفته بمن يُخاطب.
وفي قصة (ظل الفراغ) نرى القاصة تبرز لنا المُفارقة بين قول القائلين وأعمالهم؛ فنلتقي بالبطلة التي تروج لفكرة، وتؤمن ـ أو تمارس عمليا ـ عكس ما تروج له!
"كانت تروج لفكرة الكأس نصف المملوءة باجتهاد نادر، وكان يُناسبها دور الممثلة العليا لشؤون التفاؤل: توزعه، وتصنع أسباباً شديدة الإقناع لاعتناقه. غير أنها بقيت لا ترى في الظلِّ الممتدِّ تحت كُرسيِّه الفارغ إلا ظلَّ غيابه"(3).
فالبطلة تروج لفكرة "التفاؤل"، «كانت تروج لفكرة الكأس نصف المملوءة باجتهاد نادر»، إنها تكرس طاقاتها الفكرية المتنوعة لتأكيد ما تؤمن به، ولتُقنع الآخرين بذلك، بينما «بقيت لا ترى في الظلِّ الممتدِّ تحت كُرسيِّه الفارغ إلا ظلَّ غيابه»، إنها تسلك غير ما تعتقده، فهي تؤمن بـ«الكأس نصف المملوءة»، بينما يشي سلوكها بـ (نصف الكأس الفارغة)، وكأن القاصة من خلال نصها القصير الموحي تكشف البون الشاسع الذي يُصيب بعضًا من فئات مجتمعنا بين القول والفعل!، ولك أن تملأ فراغات النص بهؤلاء المهيمنين على مفاصل حياتنا وهم يفعلون غير ما يقولون (أو يعتقدون)..!
ومن نصوصها التي تتخذ من تقانة التناص بناءً فنيا لها، قصة «شراك» بنته الكاتبة على بيت:
بسطت رابعةُ الحبْــلَ لنـا .:. فوصلنا الحبل منها مـا اتّسـعْ
سويد بن أبي كاهل
وهذا نصها:
"بسطت رابعةُ الحبْــلَ لنـا .:. فوصلنا الحبل منها مـا اتّسـعْ
سويد بن أبي كاهل
كثيرة كانتْ حبالُها الممتدة دون اصطفاء، ممتدة أكثر مما يمكن لروح أن تتوزع، ولقلب أن يفيض، حين اتسعت رقعة التخلي، وغادر الواصلون حبالها .. اختنقت في شراكها".(4).
إن حبال العاشقة ممدودة ـ دون اصطفاء (حقيقي)، ومن ثم صارتْ هذه الحبالُ شراكاً لها هي!
وهو نص قصير مكثف يذكرنا بنصوص في مجموعتها الأولى «خيط ضوء يستدق»، ومنها «مرثية»، التي تصور ميتًا: "كانوا يسحبون القصيدة إلى رأسه فتنكشف قدماه، يجرونها لقدمه فيتجلّى رأسه. كبِّروا. هنا رجل لا تكفيه القصائد"(5)
إنها ترثي رجلاً تراه أكبر من القصائد، والقصة ذات حس ديني واضح، حيث نرى كلمة «كبروا»، وهي تستوحي أحد أشهر الصحابة الأوائل عند موته، وهو مُصعب بن عمير ،حيث كان لا يملك إلا بردةً، لا تغطي سائر جسمه، فإذا غُطيت قدماه ظهر رأسه، وإذا غطوا رأسه ظهر قدماه.(6).
ولعل هذا الذي مات وترثيه القاصة كان شاعرًا مهمومًا بالكلمات الصادقة، التي إذا جمعناها ـ مع صدقها ـ لا تستطيع أن تُحصي فضله ومآثره!
في «ظل الفراغ» نرى قاصة متمكنة، أراها واحدةً من طليعة كتاب القصة القصيرة جدًّا في أدبنا العربي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1)سهام العبودي: ظل الفراغ، دار المفردات للنشر والتوزيع، الرياض 1430هـ، ص7.
2)سهام العبودي: خيط ضوء يستدق، ط1، الأردن 2004م، ص50.
3)سهام العبودي: ظل الفراغ، ص40.
4)السابق، ص9.
5)سهام العبودي: خيط ضوء يستدق، ص8.
6)في الحديث (1197) من صحيح البخاري (باب الجنائز) عن خباب ـ رضي الله عنه ـ : «هاجرنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نلتمسُ وجهَ الله، فوقعَ أجرُنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، ومنا من أينعت ثمرته فهو يهدبُها (يقطعها ويجتنيها)، قتِلَ يوم أحد، فلم نجد ما نكفِّنه إلا بردة، إذا غطّيْنا بها رأسَهُ خرجتْ رجلاه، وإذا غطَّيْنا رجليْه خرجت رأسُه، فأمرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نُغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر»، وانظر الحديث في «صحيح مسلم» (1562) مع اختلاف طفيف، حيث نجد (نمرة) بدلاً من (بردة).
منتديات براري الليلك:
http://www.albararry.net/vb/showthread.php?6476-%DE%D1%C7%C1%C9-%DD%ED-%E3%CC%E3%E6%DA%C9-%AB%D9%E1-%C7%E1%DD%D1%C7%DB%BB-%E1%E1%DE%C7%D5%C9-%D3%E5%C7%E3-%C7%E1%DA%C8%E6%CF%ED